فهرس الكتاب
بل إن الجاحظ كثيرًا ما كان يستخدم هذه المفردات بشكل متداخل متشابك. فيستخدم أكثر من مفردة للدلالة على الشيء ذاته في أكثر من مكان، إلا أنه في الأغلب الأعم كان يشير إلى أن القيم الجمالية الإيجابية مرغوبة، مطلوبة، محبوبة. ونقائضها مذمومة، مستقبحة. وربما علل للقارئ لماذا يُحبُّ ما يُحبُّ ولماذا يُكره ما يُكره. ويقول على سبيل المثال:"وهم وإن كانوا يحبون البيان والطلاقة، والتحبير والبلاغة، والتخلص والرشاقة، فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر والتكلف والإسهاب والإكثار، لما في ذلك من التزيد والمباهاة، واتباع الهوى والمنافسة في العلو والقدر. وكانوا يكرهون الفضول في البلاغة، لأن ذلك يدعو إلى السلاطة، والسلاطة تدعو إلى البذاء، وكل مراء في الأرض فإنما هو نتاج الفضول، ومن حصل كلامه وميزه، وحاسب نفسه، وخاف الإثم والذم، أشفق من الضراوة وسوء العادة، وخاف ثمرة العجب، وهجنة القبح" (48) .
ومهما يكن من أمر ففي مكنتنا الوقوف عند بعض هذه القيم الجمالية محاولين الكشف عن دلالاتها بحسب الرؤية الجاحظية، رابطين إيَّاها بمرادفاتها الممكنة.
1-الجودة:
لم تأت هذه القيمة الجمالية عند صاحب التربيع والتدوير إلا مضافة إلى ما بعدها، وما أكثر ما أضيفت إليه من مصادر فذكر جودة الابتداء وجودة القطع، وجودة الحذف، وجودة الاختصار، وجودة الكلام، وجودة الرأي، وجودة المثل، وجودة الشعر، وجودة اللهجة، وجودة السبك، وجودة الإقناع، وجودة التثقيف... مما يدل على أن الجودة قيمة جمالية غير مخصوصة بمنعوت أو أكثر، وإنما"هي صفة تعلو مرتبة الحسن في قاموس الجاحظ، أو ترادفها مع امتياز لها قليل جدًا (49) بل إن أبا عثمان قد أضفى على هذه الصفة قيمة عملية أخرى غير جمالية هي المهارة الطبيعية والمكتسبة، والذي يؤكد ذلك هو إضافة هذه القيمة إلى خصائص تمتاز بها بعض الحيوانات كالكلاب التي خصها بجودة الثقافة (50) وجودة الشم" (51) .