فهرس الكتاب
صحيح أنه ليس ثمة اتفاق أو إجماع على تصنيف المقولات والقيم الجمالية تصنيفًا محددًا واحدًا، إلا أن علماء الجمال لم يختلفوا البتة في أن القبح والجمال قيمتان متناقضتان تدور حول كلٍّ منهما طائفة من المقولات الفرعية المنبثقة منها باعتبارها قيمة أساسية أو محورية، ولم يفترق الجاحظ عن علماء الجمال من هذه الناحية إذ بين أن الحسن (الجمال) والقبح قيمتان تختصان بالموضوعات الجمالية، ولكنهما تقفان على طرفي التناقض، ويبدو ذلك جليًا من سياق الشاهد التالي الذي جاء فيه ببعض النقائض كالغضب والرضا للحالة الانفعالية، والحلال والحرام من الناحية الشرعية، والقبح والحسن للمسائل الجمالية، وفي ذلك يقول:"فليس إلا لا أو نعم، إلا أن قولهم لا موصول منهم بالغضب، قولهم نعم موصول منهم بالرضا، وقد عزلت الحرية جانبًا، ومات ذكر الحلال والحرام، ورفض ذكر القبيح والحسن" (91) .
ولكن المشكلة التي تعترضنا هنا تتمثل بضبابية حقيقة العلاقة بين القبح والجمال، هذه المشكلة التي لم يبتّها إلى الآن، والتي يمكن إيجازها في السؤال التالي: هل القبح إحدى درجات سلم قيم الجمال؟ وبمعنى آخر نستطيع القول: أيعد القبح جمالًا، ولكنه جمال جد وضيع دنيء لافتقاره إلى كثير من مقومات الجمال كالتناسب والتناسق والتناظر... أم أن للقبح مقوماته الخاصة، كما أن للجمال مقوماته الخاصة، وبالتالي فللقبح سلمه الخاص المستقل عن سلم الجمال؟
يسوق صاحب الحيوان شاهدًا نكاد نذهب من خلاله إلى أنه يرى في القبح درجة من درجات الجمال المتدنية جدًا. فيقول:"ولما هجا أبو الطروق الضبي امرأته، وكان اسمها شعفر، بالقبح والشناعة فقال: (92) "
جاموسةٌ وفيلةٌ وخنزرُ وكلهنَّ في الجمال شعفرُ