فهرس الكتاب

الصفحة 13199 من 23694

ولكنه ذهب في البيان والتبيين إلى ما يخالف ذلك تمامًا، فقد بين أن القبح قيمة جمالية محورية مستقلة تقف في الطرف المقابل لقيمة الجمال، وكما أن للجمال مقوماته وخصائصه وشروطه فكذلك شأن القبح، فإن كانت قيمة الجمال وما انفرع عنها من مقولات، تمثل المحبوب والممدوح والمطلوب، فإن القبح هو المكروه والمذموم والمرفوض، ولذلك يقول:"وأعيب عندهم من دقة الصوت، وضيق مخرجه، وضعف قوته، أن يعتري الخطيب البهر والارتعاش والرعدة والعرق" (93) .

وكما أن لقيمة الجمال مقولاتها الفرعية الخاصة فكذلك شأن القبح، ولكن مفكرنا وإن استخدم هذه المقولات في أكثر من مكان فإنه لم يتوقف عندها كما توقف عند بعض مقولات الجمال، فقد استخدم الهجنة، والخطل، والابتذال، والسخف، والساقط، والحوشي، والدميم، والشنيع،... دون أية إشارة إلى مراده أو مقصوده منها، لنقل دون أن يبسط معاني هذه المقولات، وسنقف فيما يلي عند مقولتي الخطل والسخف كنموذج للمقولات الفرعية للقبح.

1-الخطل:

إذا ما تذكرنا اعتبار الجاحظ حقيقة الجمال متمثلة في الاعتدال استطعنا القول أن الخطل عند الجاحظ يعادل القبح تمامًا، كما أن الحسن يعادل الجمال، والذي يقودنا إلى هذا الفهم هو تحديد أبي عثمان للخطل بأنه انحراف عن الاعتدال أو تجاوزه ماله من مقدار فيقول:"وإنما وقع النهي عن كل شيء جاوز المقدار، ووقع اسم العي على كل شيء قصَّر عن المقدار، فالعي مذموم، والخطل مذموم" (94) ويشرح هذا الكلام قاصرًا الخطل فيه على الكلام، فيقول: للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن قدر الاحتمال، ودعا إلى الاستثقال والملال، فذلك الفاضل هو الهذر، وهو الخطل، وهو الإسهاب الذي سمعت الحكماء يعيبونه" (95) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت