فهرس الكتاب

الصفحة 13220 من 23694

ومع ذلك تظل أعيننا معلقة بالعنوان الصارخ، مسرح الجاحظ، لا تبرحه.. ما محله؟ وما مسوّغ تجسيمه على هذا النحو الذي لا يدل على شيء إلا نفسه؟ ومع ذلك قد تسمع من يعلل فيقول إن مسرح الجاحظ هو الحياة بكل ما فيها ومَن فيها، وبكل ما تعجّ به من غرائب وطرائف ونماذج من بشر وغير بشر لا تخطر على بال أديب في عصره، ولم تخطر ببال أديب قبل عصره، وكل ذلك مؤهِّل للمسرح ومؤدٍ إليه؛ أليست الحياة مسرحًا تتحرك فيه الناس.. كلٌّ يسعى في سبيل، وكل له دور مرسوم حتى ينتهي إلى أجل معلوم.. فالجاحظ- ومَن أجدر من الجاحظ- في موضوعاته الغريبة التي ذكرنا، يؤلف فيما لم يسبقه إليه مؤلف.."يؤلف- كما يقول أحمد أمين- في اللصوص وحيل لصوص النهار، وحيل سُرّاق الليل. ويؤلف في التجار، وفي العبيد والإماء، وما إلى ذلك من مبتكرات الأدب الأوربي الحديث. فإذا قال الأوربيون اليوم إن موضوع الأدب هو نقد الحياة بأشكالها وأنواعها فقد سبقهم الجاحظ فوَسِعتْ معرفته دقائق عصره، واتخذها موضوعًا لأدبه.. وجعل موضوعه كلَّ شيء في الحياة حتى اللص والجارية والتاجر والنبيذ والمعلم.. وكتب في البخيل.."و"حلل البخل تحليلًا غريبًا أين من يستطيعه؟ لعلك إن طالبت عالمًا في النفس الآن كبيرًا أن يحلله لك ما استطاع أن يتجاوز في ذلك ورقات..".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت