فهرس الكتاب

الصفحة 13221 من 23694

ولكن، ومع كل ما يمكن أن يُكتشف لدى كاتبنا العظيم من مؤهلات مسرحية لا تتأتى إلا لكبار الكتاب المسرحيين، فإن هذا كله لا يغير من حقيقة الأمر شيئًا، وهي أن عصر الجاحظ لم يكن عصر مسرح، وأن كاتبنا العملاق لم يكن كاتب مسرح، بالمعنى العصري الاصطلاحي لكلمة مسرح.. وإنما الأقرب أن نسمح لأنفسنا بالحديث عما يمكن أن نسميه"روحًا مسرحية"نافذة بعيدة الغور، تكمن وراء منظاره الواسع البعيد الذي أقبل به على الحياة من حوله ملاحظًا ومحللًا، فنفذ إلى أعماقها، وتبين من حقائقها ما لم يتبين غيره منه إلا النزر اليسير الذي لم يستطيعوا مع ذلك أن يتعمقوه كما تعمّقه، ولا أن يتحقّقوه كما تحقّقه، وأحسها"نيابةً"عن كثير ممن عاشوا مثله، وعانوا مثل ما عانى، بل ربما أكثر مما عانى، فلم يحسوها كما أحسها، ولم ينفذوا إلى أعماقها كما نفذ، وظلوا على سطحها يلهون ويرتعون، ويسعون جاهدين وراء ما يتاح لهم من رزق، تتقاذفهم مآرب الدنيا وأطماع العيش وشهواته، ويتسابقون إلى غاية مهما اختلفت وتباينت بين فريق وفريق، وفرد وفرد، فهي لا تختلف عن مصير من سبقوهم إلى هذه الحياة... وأديبنا العملاق منتصب حيالهم بهامته الضخمة المتوهجة، وعينيه الجاحظتين من طول التأمل والتبصر، ومن عجيب ما تريانه، كمنظارَي راصد غريب.. يضحك ويضحك، ولا يجد غير الضحك الساخر والمشفق في آن معًا من سبيل.. ثم يصوغ كل ذلك كلامًا مُصفى، ويعبر عنه بأسلوبه المتلون الفريد الذي لا تقف طرافته عند حد، ولا تنتهي أعاجيبه وغرائبه عند غاية..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت