فهرس الكتاب

الصفحة 13222 من 23694

وعودة إلى رسالة الكاتب"الحكيم"وكشفه الفريد، لنتصوره- وهو الكاتب المسرحي- فرِحًا بنص الجاحظ هذا، مأخوذًا به إلى أبعد الحدود.. ويبدو أنه قد أُخذ- أول ما أُخذ- بهذا الحوار الطريف، فوجده كالدر الثمين أقبل عليه يتلقّفه ويتلقّطه، ثم يسلكه في نظام، ليستوي له منه مشهد! ونحن نعلم أن الحكيم مشغوف دائمًا بالحوار، وأن مسرحه حوار وفكر في المقام الأول، ولو على حساب العناصر المسرحية الأخرى ولا سيما الحركة. وقد عدَّ طه حسين ذلك عيبًا"عظيم الخطر؛ لأنه يجعل القصة المسرحية- وهي هنا"أهل الكهف"- خليقة أن تُقرأ لا أن تُمثل". وأعتقد أن الحكيم لو نقب آنذاك وبحث، وأمعن في قراءة الجاحظ وفي تحسُّس مزاجه وطبعه، وتعمَّق في دراسة مقاصده ومراميه، مستهديًا في الوقت نفسه بروح المسرح قبل شكله وظاهره، وبتباشيره الأولى لدى الجاحظ وقلّة من أمثاله- لوجد من كنوز الجاحظ في هذا الباب الشيء الكثير، بل لوَقَع على ما هو أجدر أن يُنقّب عنه، وتُلتقط نفائس الدر منه؛ فالمسرح ليس حوارًا فقط، بل هو حركة أيضًا تكتمل بها حيوية العرض قراءة وتمثيلًا. وللجاحظ في هذا المضمار"لقطات"بارعة قلَّ أن تجد لها مثيلًا إلا عند عبقري مثله يرسم بقلمه ما لا يقدر عليه صاحب ريشة ولا ممارس تمثيل، كابن الرومي في وصف الخباز والأحدب، والمتنبي في بعض نماذجه البشرية الحبيبة إلى مبضعه! ولكن الجاحظ يمعن في التفصيل والتدقيق، جريًا مع واقعيته الغالبة، فيمضي معك- أو تمضي معه- مدىً أطول وشوطًا أبعد، فلا يترك شاردة ولا واردة إلا قرَّبها إليك، وبسَط دقائقها أمام ناظريك، يُعينه على ذلك أنه يحمل مصوِّرة الناثر لا الشاعر، فيعرض عليك ما يعرض هونًا ولطفًا، لا لمْحًا وخطفًا، ويعينه أيضًا جمعُه قوة الملاحظة ودقة المعاينة النفسية"البسيكولوجية"وطولها حتى لدى الحيوان! فهو يتناول في كثير من نصوصه"نفسيات"الحيوان والطير والحشرات، ويتحدث عن طباعها وعاداتها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت