فهرس الكتاب
والشريعة -مصطلحًا-: ما شرعه الله لعباده من العقائد والأحكام والأوامر الإلهية التي تنظم حياة المسلم من جميع وجوهها.
وقد كان للشريعة سلطان قوي على عقول المسلمين وسلوكهم، وبدهيّ أن يكون لممثليها السلطان ذاته ما التزموا بمصدر الشريعة المستمد من القرآن واتّباع السُّنة النبوية. ونعرف جميعًا أن التشريع الإسلامي جاء مترابطًا منظمًا وفق منهج متماسك متكامل، وبقي كذلك مع ما اعترى الإسلام والمسلمين من اجتهاد في فِرقَهم، أو انقسام في دولهم. لكن التوفيق بين النظرية والممارسة، وبين السلطة السياسية والسلطة التشريعية لم يحقق التطابق المنشود. وما يمكن أن نراه من خلل أو تقصير في ممارسة السلطة على أرض الواقع ينبغي أن يُعْزى إلى الرموز التنفيذية للسلطة عبر تاريخنا العربي؛ كما ينبغي أن يعزى إليها نفسها ما حققته من جليل الأعمال والمواقف، كي نكون موضوعيين ومنصفين.
ولا معدى عن الإشارة هنا إلى أن قدرًا غير قليل من الغَبْن قد أصاب العربي بسبب تجاوز الحدود المرسومة للسلطة في التشريع، وفي ظل تأويلات أو تفسيرات جائرة لمفهومات عامة تتصل بأفعال البشر، كالمباح، والجائز، والواجب، والمحظور، والمتروك، والمكروه والمنهيّ عنه، مما وسع من دائرة صلاحيات السلطة، وفتح أبوابًا مواربة للاجتهاد والاحتمال، وربما التعسف في استخدام السلطة.
في ضوء هذا كله -على ما فيه من إيجاز وتكثيف- سنحاول أن نتقرى خيوط الصلة بين السلطة والإبداع أو المبدعين متخيرين حالات وأخبارًا ووقائع تستوقف المتأمل في تراثنا بقدر ما نرى فيها من مدلولات ومقاصد، وبمنهج الاستقراء الناقص، إذ من المتعذر علينا رصد مجمل ما في تراثنا من تفصيلات وإجراءات.