فهرس الكتاب

الصفحة 13315 من 23694

وتجدر الإشارة هنا إلى أن أشكال السلطة في تاريخنا، وتصرفاتها لا تمثل استثناءً خاصًا في تاريخ البشرية، أجل، قد تكون لكل مجتمع أو شعب طبيعته وظروفه الخاصة، ولكن ممارسة السلطة كثيرًا ما تتشابه في فلسفتها ومسوّغات مواقفها، وخاصة عند انحرافها، أو إحساسها بالخطر، أو عند مس سُمعتها.

وقد نجد أمثلة لذلك في تاريخنا المبكر، ونخص بالذكر من ذوي السلطات مَنْ كانوا على تماس مباشر بالمبدعين، كالملك"عمرو بن هند"ملك الحيرة، و"النعمان بن المنذر الخامس"زوج"هند"الملقب بأبي قابوس، وكأمراء الغساسنة في الشام:"الحارث بن جبلة، وابنه المنذر"، وآخر ملوكهم"جبلة ابن الأيهم".. والذي يعنينا من هؤلاء كشاهد على ما نقول أن الشاعرين: المتلمّس الضُّبَعي، وابن أخته طرفة بن العبد قالا شعرًا هَجَوا فيه الملك عمرو بن هند، فاتصل ذلك به، ولم يُظهر شيئًا من التغير، ثم مدحاه بعد ذلك، فكتب إلى عامله بالبحرين بقتلهما وأوهمهما أنه كتب لهما بجوائز، وأقرأ المتلمس رسالته صبيًا من الحيرة، فإذا مضمونها:"أما بعد، فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيًا". فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك، ففيها والله ما في صحيفتي. فقال طرفة: كلا، لم يكن ليجترئ عليّ! وهرب المتلمس إلى الشام، أما طرفة فمضى بالكتاب، فأخذه الربيع بن حوثرة (عامل عمرو بن هند) ، وسقى طرفة خمرًا حتى أثمله، ثم فصد أكحله. فَقَبْرُه بالبحرين (5) .

هذا الخبر المبكر المشهور يفتح بابًا للتساؤل عن طبيعة العلاقة بين السلطة والمبدع، ويحمل العقل على الموازنة -قبل الأوان- بين الجرم والجزاء، وخاصة إذا ما عرفنا أن الشاعرين كانا نديمين للملك!! فلا فكرة العدل، ولا العلاقة الإنسانية استطاعتا أن تكونا شفيعتين، أو مانعتين من إنزال البطش بمن فكّر بشهر سلاحه الفني علنًا في حضرة السلطة، أو برفع صوته وصوتُها موجود، وأقوى..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت