فهرس الكتاب
هل نتعجّل القول أن الخوف من هنا يبتدئ؟ أو أن الخصومة من هنا تبتدئ؟ أو نغفل أمر الفعل وردِّ الفعل لنتحرّى بواعث التصرّف وملابساته بحسن نية ومحايدة؟!
إن القصة -الشاهد ليست حدثًا فريدًا ليكون محور التساؤل والافتراض، ثم الخروجَ بحكم؛ بل إن هناك أخبارًا أخرى قيّدتها كتب التراث تستدعي فضل قول، وما علاقة الشاعر الجاهلي النابغة بأبي قابوس بخافية على أحد، وما خوفه ومدحه واعتذارياته سوى ترجمان لما كان يغتلي في داخله من قلق وهلع، ألم يقل للنعمان:
فاتّك كالليل الذي هو مُدركي
وكانت ديار الغساسنة في الشام مُسْتَرادًا لنخبة من الشعراء، كالنابغة نفسه، والأعشى، والمرقِّش الأكبر، وعلقمة الفحل، وعلى الأخص كحسان بن ثابت. وكان هؤلاء -كما هو معروف- سباقين إلى"تطبيع العلاقات"مع السلطة ومجالستها بطواعية وانقياد، كما يبدو في الظاهر. وكان المدح سبيلهم، والتقرّب مؤهلهم. فهل كان ذلك تقديرًا للإبداع، أو توظيفًا له؟ أو كان ترويضًا للمبدع؟ أو ضربًا من المصالحة والوئام؟! ... أمعشر تيمٍ أطلقوا من لسانيا
وإذا ما قَرنّا هذا مع أمر الملك عمرو بن هند (بتقطيع) المتلمس، وربطنا بين مرامي هذه الحالات المبكّرة تبين لنا كيف بدأت خيوط الفجر الأولى لهذه العلاقة بين السلطة والمبدع تحيك نسيجًا سيكون بالغ الاتساع والتعقيد.. كما ستبين لنا أن مسألة قطع اليدين والرجلين كما أرادها عمرو بن هند ستكون سابقة لاحقة، وستكون أداة ردع، أو تحذيرًا يطيب للسلطات معاودة القيام به، كما ستتبدى لنا عقوبة تماثلها، وتعدّ سابقة لاحقة أيضًا في مسألة"قطع"اللسان، أو لجمه وإسكاته. ففي الجاهلية تأسر قبيلة التيم (يوم الكُلاب) الشاعر عبد يغوث بن وقّاص الحارثي، وخشية قوارص شعره تربط لسانه بسير من الجلد.. وتعلو صرخته:
أقول وقد شدّوا لساني بنِسعةٍ