فهرس الكتاب

الصفحة 13318 من 23694

في الجاهلية كانت راية الشعر مرفوعة، وكان الشاعر لسان القبيلة المدافع عنها، وكانت له أسواق وأندية وهموم، وكان الشعر ديوان العرب كما سماه السابقون والخالفون.. وفي اختصار شديد كان الشعر أبرز مظاهر الإبداع عند القوم.. وكان من أثره عند السلطة أن"استطاع بعض الشعراء بما أصابوا من منزلة عند ملوك الغساسنة والمناذرة وغيرهم أن يردوا عن قومهم عادية هؤلاء الملوك وأتباعهم، وأن يشفعوا لهم إذا وقعوا أسرى في يدهم، صنيع النابغة الذبياني مثلًا حين أوقع ابن الجُلاح الكلبي ببني ذبيان، واستاق منهم عددًا، فقد شفع لهم النابغة فأُطلق سراحهم.. ولما أسرَ الحارث الغساني شأس بن عبدة ورجالًا من تميم أتاه علقمة بن عبدة، أخو شأس مستشفًا وأنشده قصيدته المشهورة التي مطلعها:"

طَحَا بكَ قلبٌ في الحسان طروبُ

فأعجب به الحارث -فيما يروون- فخيّره بين الحِباء (العطاء) وبين إطلاق أسرى قومه فاختار الأمر الثاني (7) .. وكما كان الشاعر بمهارته وإبداعه يؤثر في مستمعيه من الملوك فيحملهم على اتخاذ موقف أو العدول عن قرار، كذلك كان الشاعر يرسل إلى الملك يتهدده إذا هو حاول الإغارة على قومه, ويخوّفه عواقب عمله بإشادته بقوة قبيلته ومنعتها وكثرة عددها. فالنابغة الذبياني تهدد عمرو بن كلثوم حين بلغه أنه يتأهب لغزو قومه بني ذبيان مستعينًا بتغلب، والشاعر عمرو بن كلثوم قاتلُ عمرو بن هند ردّ على وعيد النعمان ابن المنذر وتهديده قومه بني تغلب بوعيد مثله يتحدّى فيه النعمان (8) .. فكيف نقوّم هذا بحياد وموضوعية؟! أفنقول إنه كان زمن الفروسية، أو كان زمن الفردية التي لا تصلح معيارًا لرصد العلاقة بين المبدع والسلطة على وفق تصورنا اليوم؟ أم إنه كان زمن الحرية التي لم تكن قد كدّرتها أنظمة التحكم بالإنسان؟! ... وقد يُنبيكَ بالأمر الخبيرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت