فهرس الكتاب

الصفحة 13319 من 23694

ولكن، ثمة وجه آخر لطرفي هذه العلاقة، ربما حرَّض على الإبداع بما حمل في مظاهره من الألم والأذى.. وكثيرًا ما كان الألم، والحب وراء الإبداع الخالد. في قسمات الوجه الآخر نتبيّن ألمًا إنسانيًا يقرب مما نسميه اليوم"التمييز العنصري"، وكان ضحاياه أغربة العرب وسودانهم، أولئك الذين كانوا منبوذين أدخلتهم عقدة"جلدتهم"في نوع من الكابوس الخانق، وصيّرت شعرهم غُصّة في حلق تراثنا العربي. هؤلاء أسقطهم السلطان من حسابه حين أبعدهم عن المجالس ليُدني نظراءهم، فلم يُقْبَلوا ندامى، ولا سمّارًا عند الملوك، ولم تقبل القبيلة ولا المجتمعات تغَزُّلهم، وقلّما أتيح لهم الإنشاد في مجالس الشعر وأسواقه.. لقد كانوا -بصفة عامة-"بعيدين عن دائرة الضوء، ذلك لأنهم في الغالب كانوا يعيشون عند الناس لا بين الناس، وكانوا بلا جذور في مواجهة المجتمع، وقد ساعدهم هذا على أن يكونوا خارجين على المجتمع، أو غير منتمين) (9) . أو يكون انتماؤهم -حين ينتمون- للكيانات التي تضع"العدل الاجتماعي"في برامجها من قريب أو بعيد كالخوارج والشيعة وبعض الأنظمة الثورية، ومعنى هذا أنهم كانوا على حافة الأنظمة، أو متذبذبين بين القبول والرفض، أو منسحبين تمامًا من كل ما يدور حولهم، لأن ما يدور حولهم كان أقوى منهم، ولأن من يقترب منهم قد يصعق، أو يُقسم بالسيف، أو يموت وهو منشور الذراعين (9) !!"

صحيح أنهم اختلفوا في معاناتهم وخصائصهم عن الشعراء الصعاليك، ولكنهم التقوا معهم في مشاعر الاستياء من سلطة القبيلة أو الزعيم، وفي الرفض لامتهانهم وملاحقتهم، وإنْ تفاوت هذا الرفض قولًا ومسلكًا. ولعل قدرًا طيبًا من الشعر الإنساني قد تولّد عن مثل هذا القلق النفسي المبكر. يقول الدكتور عبده بدوي الذي أفرد لهم كتابًا برأسه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت