فهرس الكتاب

الصفحة 13320 من 23694

"لقد اهتموا اهتمامًا خاصًا بظاهرة الموت.. وكانوا يُحسّون أنهم دائمًا في خطر.. وعاشوا يتامى في الحياة، وفي الوقت نفسه كانوا مطالبين بالحصول على"تصريح إقامة"داخل مناطق بأعيانها من المجتمع.. ثم إنهم قد تفرّدوا بأنواع غريبة من الموت، فهذا مثلًا (سحيم) قبل مقتله يقرَّب من النار، ويضرب بالعيدان المحمية، وهذا علي بن جبلة يُخرَج لسانه من قفاه، وأبو نخيلة يسلخ ببطء جلد وجهه الأسود، وابن الياسمين يوجد في حجرته مقتولًا بطريقة شاذة، والإمام أحمد الرشيد يصلب شنقًا ثم يجرّ من رجله إلى إحدى الحفر... ومن قبل كل هؤلاء قتل عنترة والسليك قتلًا فيه الكثير من المرارة، والقليل من العزاء" (10) .

أمام هذا الجور والتنكيل تُقيِّد لنا كتب التراث صرخة الاحتجاج بوجه السلطة، وتقيّد لنا -في الوقت نفسه- مظاهر من الإبداع الذي صَوَّرها.. إن خفاف بن ندبة يبدأ بالتمرد على زعيم القبيلة عباس بن مرداس، وعباس هذا شاعر كما هو معروف، ويبدأ بينهما نوع من المخاصمة والجدل وما يشبه النقائض، ويصبحان خصمين أو كالخصمين.. وإذن فتلك هي البذور الأولى لنشوء جبهتي الخلاف بين المبدع والسلطة.. ويوشك المرء أن يتردد في تسليط الضوء على ما تعرض له السود من اعتداء مُخزٍ، على أنه -إن أراد الإشارة إلى إبداعهم- لن يكون بمقدوره أن يفعل ذلك ما لم يربط بين القمع والإبداع، لأن شعر هؤلاء كان في معظمه ردّة فعل تكشف ما بالنفس من غضب، أو تُفصح عما فيها من ألم ومرارة... لقد ضربوا كما تُضرب الدواب أحيانًا، ولأسباب غريبة! إن شاعرًا منهم يدعى"داود بن سلم"تجرأ فتخايل مرة في مشيته، فإذا والي المدينة يضربه ضربًا مبرحًا، وهو القائل (11) :

ومَنْ يُطِعِ الهوى يَعْرفْ هواه

على أنّي زفرت غداة هرشي ... فكان يَريبُهم منّي الزفير

ولقد جاعوا حتى أغمي على بعضهم من شدة الجوع، كما عبّر السليك بن السُّلكة حين قال (12) : ... وكدت لأسباب المنيّة أعرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت