فهرس الكتاب

الصفحة 13321 من 23694

وما نِلْتُها حتى تصعلكتُ حِقْبة

وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرّني ... إذا قُمت تغشاني ظلال فأسْدَف

أجل، لقد حاصرت القبيلة بسلطانها طائفة من الشعراء السود والصعاليك فاستعبدتهم وخلعتهم، وفرضت عليهم ما يشبه (الإقامة الجبرية) بعيدًا عن مجالسها، فانطلق الصعاليك في فلوات الله يَنْشدون الحرية والأمن في البراح مستأنسين بالوحش بديلًا من البشر، ونُبِذ السود والأغربة وامتُهنوا وحُرموا من كل شيء، وشَكَوا من الحاجة إلى المأكل والمشرب والملبس، وفي مرارة كان يتجدد موتهم كل يوم، ولم يجدوا في غير الشعر متنفسًا لقص عبوديتهم وتفريغ شِحَن الغضب الكظيم، يقول سحيم عبد بني الحسحاس (13) : ... وأسود مما يَمْلِكُ الناسُ عاريا

رأتْ قَتَبًا رثًَّا وسحق عباءة

ويحاول أن يَنْشد سُلوانًا في وهم علاقة إنسانية.. أن يتغزّل، فتنمُّ عليه رائحة عُقدة العبودية من زفيره وشهيقه اللعوني في مثل قوله (14) : ... أكون لأجمال ابن أيمن راعيا

وددت على إبغاضي الرِّقَّ أنّني

ويقول (15) : ... لو أنّ ذا منك قبل اليوم معروفُ

أمِنْ سُميّةَ دمع العين مذروفُ

المال مالكُمُ والعبد عبدُكُمْ ... فهل عذابكِ عنّي اليوم مصروف

ولأنه تغزل بالنساء كغيره من الشعراء تقرر قتله. قال الرواة: ... بالعرفج الرطب انِ الصوت انخزلْ

"وقرّبوه من نار كانوا يصطلون عندها، وجعلوا يجمعون عيدان العَرْفج الرطب ويضربون استه بها، ويرتجزون عليه ويقولون (16) :"

أوجِعْ عجان العبد أو يَنْسى الغزلْ

ولقد كان يدرك إدراكًا غريزيًا ما كان ينتظره من قِصاص، كتلك الحيوانات التي تُحس بالزلزال قبيل وقوعه، لكنه لا يرعوي، فهو لن يخسر شيئًا أيَّتما حال، يقول (17) : ... على حينَ أبصرتُ المشارع تَنْشَفُ

أرقًا وتغنيظًا ونأيًا وفُرْقة

فلو أوقدوا نارًا تُحشّ بساعدي ... وكفّيَ ما أقلعتُ ما دمْت أطْرِف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت