فهرس الكتاب

الصفحة 13323 من 23694

لقد كان"سحيم"نموذجًا لحالة، وشاهدًا على مرحلة.. مرحلة يعلو فيها صوت التوجّع، ويعلو فيها وقع السياط.. ذلك هو زمن الخصومة بلا محاكم ولا قضاة، ثمة القوة وحدها، ولا شيء غير القوة.. بيد السلطة قوة النار والأغلال والإذلال، وبيد الشاعر صرخة الشعر، وبقدر الحِدَّة تكون الحدَّة أحيانًا، وأحيانًا يكون الانسحاب. وهكذا لم يتشكل من هؤلاء المعذّبين أو المبدعين -مع توحد لون عذابهم- نسيج متوافق، أو تيار جماهيري واضح، وإن تبدى لبعض الدارسين أنهم غدوا طبقة وحّدتها همومها، أو اتجاهًا ذا طابع اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي يُنسب إلى الشعراء"الصعاليك"مثلًا (22) .. فصعاليك الجاهلية كانوا غالبًا فرديين، وبرزوا كعدّائين خارج حلبات المجابهة المباشرة، وخاصة حين مارست عليهم القبيلة أعراف (الخلع) والإنكار، فعقّوها، وتجرّدوا للغارات والسلب مفارقين المجتمع التقليدي الذي لفظهم خارج دائرته، وهكذا فقدوا (التوافق الاجتماعي) وآلفوا الوحش في الأودية والجبال وأعماق الصحراء. حتى تمردهم على القبائل كان تمردًا فوضيًا لا نظام له، على حين كان مسلك القبائل يتسم بالتكتل والتنظيم. وربما كانت تلك الطليعة المظلومة المنبوذة من الشعراء الصعاليك والسود والأغربة الصوت المبكر الذي ارتفع ضد سلطة القبيلة ونادى بالمساواة والعدل، وبحث عن المبادئ التي بدا الإسلام استجابة لها، والتي بدت فيمن تلاهم من الشعراء إرثًا والتزامًا.. ولكي نقف عند من تلاهم وعلت أصواتهم بالشكوى هنا وهناك ينبغي أن نخرج من إطار الفردية لنُفِيء إلى ظل سلطة الدولة، أو هيكل السلطة بمفهومها الذي نعرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت