فهرس الكتاب
مع فجر الإسلام، يمكن القول: إن مفهوم سلطة الحكم بدأ يَقَرُّ في وعي الناس من خلال إدارة النبي r لأمور من آمنوا بهديه ورسالته، ومن خلال توليه قيادة العمليات التنفيذية في نشر الدعوة، ومقاومة المناوئين مستمدًا العون في ذلك مما يوحى إليه، ومن نُصح أصحابه ذوي التجربة والخبرة والرأي السديد، وقد جعل الجزيرة العربية ومسلميها كتلة متماسكة متحدة تدين بدين واحد وتخضع لنُظم موحدة تحكُم سلوك المسلمين وتسوس أمورهم في سائر مناحي الحياة ومناشطها... وبذلك أصبحت القبائل العربية المتفرقة تدين لسلطة مركزية واحدة ويحكمها لأول مرة في التاريخ قانون واحد في العقوبات والمعاملات (23) . وهذه السلطة التي تبدو مزيجًا من الدين والدنيا، ومن المركزية الفردية والقيادة الجماعية هي التي ينبغي أن نستقرئ مواقفها المقبلة من الإبداع والمبدع...
من الواضح -آنذاك- أن المبدع كان يتمثل بالشاعر والخطيب غالبًا، ولم تكن سلطة الإسلام في حاجة ملحة إلى الشعر، فما في كتاب الله عز وجل أفضل وأعلى، وهو الذي يَحْسُن أن يكون مَعْقِد الاهتمام، ولم يكن في سجع الكهّان وخطب الزواج والوصايا والحِكَم ما يُحسب حسابه وأثره. ومن منحىً آخر لم يكن الإسلام ضد الشاعر أو الخطيب، لكن الشعر هو الذي فتح جبهةً، أو ظهر كسلاح في الصراع بين الحق والباطل عندما انبرى شعراء الجاهلية المعادون للدعوة يقودون حربًا كلامية ضد النبي الكريم وضد الإسلام، بالهجاء مرة، وبالجدل والمنافرة مرة أخرى، من هؤلاء: النَّضْر بن الحارث، وعبد الله بن الزِّبعرَى، وضرار بن الخطاب، وهُبيرة بن أبي وهب والأسود بن يعفر.. الخ. وقد أدرك النبي r قيمة هذه الحرب الكلامية وما تترك من أثر في نفوس الناس، فنظّم ما يشبه الإعلام أو الدعاية، وعني بالرد على شعراء قريش نادبًا لذلك بعض الشعراء المسلمين، فكان الهجاء والقتال متلازمين في نشر الدعوة على حد قول شاعره حسان بن ثابت الأنصاري: