فهرس الكتاب
ولا يعنينا من هذا أن نؤرخ للأدب والنقد، أو نوازن بين الخطيب والشاعر، إنما تعنينا الإشارة إلى أن لكل سلطة أدواتها ومصالحها، وأن الشاعر -إذ يتكسّب- سينافق وينحرف وينحاز، وقد يوقعنا ذلك في مَهْواة التقويم الخاطئ أو الانسياق بظواهر الأشياء بعيدًا عن جواهرها. وعند الحاجة يُستعان بالمبدع بالقدر الذي يبدو فيه مناسبًا وصالحًا للمرحلة. وهكذا قد يكون الحظ، أو الحاجة، أو الموقف سببًا في رفعته وتكريمه، أو في حجبه وملاحقته، وليس إبداعه -وحده- هو الضمانة، وحتى حياديته لا تكون دائمًا هي المأمن... ولعلنا لا نختلف كثيرًا في المساواة بين أولئك الشعراء والخطباء من الناحية الفنية والأدبية الخالصة، لكن الانتماء أو الاختيار لا يقفان عند القيمة الفنية، ولهذا كُرِّم شعراء الإسلام بشرف الدفاع عنه، وحُرم خصومهم -عنده- حتى من حق الدفاع عن أنفسهم، فحُجب شعرهم، ونُهي عن روايته.
قال صاحب (الخزانة) : إن النبي r نهى عن رواية قصيدة أمية بن أبي الصلت:
ماذا ببدرٍ فالعقنْـ
التي يُحرض فيها قريشًا بعد وقعة بدر (29) . وقد رواها ابن هشام في (السيرة) ، وأولها: ... مِ بني الكرام أولي الممادِحْ
ألا بكيتَ على الكرا
وقال في آخرها: تركنا منها بيتين، نال فيها من أصحاب رسول الله r (30) . ونهى عن رواية الشعر الذي هُجيَ به أصحابه، قال صاحب (الخزانة) بعد أن روى أبياتًا من قصيدة الأعشى: ... بالشطّ فالوِتْر إلى حاجرِ
شاقتْكَ من قتلةَ أطلالُها
وهي التي يهجو فيها علقمة بن عُلاثة ويمدح ابن عمه عامر بن الطفيل، في المنافرة المشهورة التي كانت بينهما. قال بعد أن روى من القصيدة أبياتًا.
"وقد نهى النبي (r) عن رواية هذه القصيدة، ولهذا لم أذكرها كلها" (31) .