فهرس الكتاب
وحريٌّ بنا ألا نتعجل الحكم بقول ما على هذه الإجراءات، إذ لا بد من تعليل لها تمليه طبيعة الظروف، أو المرحلة، أو المجابهة المباشرة والدفاع عن النفس والناسُ في حالة حرب تستدعي قطع الطريق على محاولات الإفساد، وبحزم رادع.. وفي المقابل علينا أن نضع في حسباننا- إنسانيًا- مسألة"تأمين"من أمَّنهم النبي وعفا عنهم مع ثبوت الجرم، غير ناسين أن النبي (r) لم يكن ضد الشعر، ولا ضد الإبداع والمبدعين بالمفهوم المطلق لهما، يعزز هذا ما أثِر عنه من قوله:"إنما الشعر كلام مؤلَّف، فما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق منه فلا خير فيه (37) . وقال أيضًا"إن من الشعر حكمة"، كما قال:"إنما الشعر كلام، فمن الكلام خبيث وطيب" (37) . وقال:"لا تدع العرب الشعر حتى تدع الإبل الحنين" (38) .. وإذن لم يكن هدر الدم إجراءً موجهًا ضد المبدع حصرًا، فلقد هدر النبي دم هند زوجة أبي سفيان وآكلة دم حمزة سيد الشهداء، ودم عبد الله بن أبي سرح لسبب مغاير، وهذا فضلًا عن الأقوال التي تناقلتها كتب التراث مقيِّدة العديد من الآراء الإيجابية للنبي بشعر الشعراء أمثال: زيد الخيل، وعنترة، وطرفة، والنابغة الجعدي (39) .. وموقفه من كعب بن زهير، والخنساء، وزيد بن عمرو وأمثالهم (40) . لكن ما قصدنا إليه من ذكر من أهدرت دماؤهم هو لفت النظر إلى حدة الموقف من الشاعر يومذاك، لا من الإسلام وحده، بل ربما هددت القبيلة هي الأخرى بقطع لسان الشاعر، كما نقل عن قريش أنها همّت بقطع لسان شاعرها ابن الزبعري لهجائه بني قصيّ (41) . فكيف نحرر هذه الإشكالية المعقدة، أو نحل هذه المعادلة التي يبدو فيها الشاعر لسان القبيلة المدافع عنها، وموضوع فخرها الأول، كما يبدو -في المقابل- اللسانَ أو العنق المهدد بالقطع؟كيف نتفهم موقف سلطة من الإبداع حين تكلف لفيفًا من الشعراء بالدفاع عنها، وعن مبادئها، وتبيح -في الوقت نفسه- دماء لفيف آخر من الشعراء المناوئين؟!"