والشاعر الراعي النميري يرفع شكوى إلى الخليفة عبد الملك بن مروان مصوِّرًا ما يلقاه قومه من عسف الجباة، يقول:
أخليفةَ الرحمن إنّا معشر
عربٌ، نرى لله في أموالنا ... حقَّ الزكاة منزّلًا تنزيلًا
إلى أن يقول: ... وأتوا دواهي لو علمت وغولا
إن السُّعاة عَصَوْكَ حين بعثتهم
إن الذين أمرتهم أن يعدلوا ... لم يفعلوا ممّا أمرت فتيلا (54)
وفي اجتماع سعيد بن العاص (والي الكوفة زمن عثمان) بقادة الجيش وزعماء القبائل زعم سعيد قائلًا:"إن هذا السواد بستان لقريش"، فقال الأشتر:"أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك؟ ... فكن جُرَذًا فيها تخون وتَسرِق"
والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيبًا إلا أن يكون كأحدنا"، وتكلم معه القوم (55) ."
وثمة أخبار كثيرة كهذه نغفلها اختصارًا لنقول: إن ما تدلل عليه في مراميها هو وجود قدر واضح من حرية القول والمساءلة للسلطة في أمور تتصل بالعدل، وبالإنفاق، وبسياسة الناس.. ولا ننكر أن هذه الأخبار تنطوي في تضاعيفها على إشارات غير خافية إلى غطرسة بعض ممثلي السلطة وحدّة مخاطباتهم، وتلك سمة عصر لم تكن الدبلوماسية أو آداب السلوك فيه قد صُقلت كما نعرف اليوم. ومع كل هذا فلا يغرب عن بالنا أن نشير إلى أن الرابط بين الدين والدولة اللذين كانت تمثلهما السلطة قد ضعف بعد الخلفاء الراشدين، وكذلك بدت العلاقة قلقة أحيانًا بين السلطة والمجتمع، لأن روح المطامع بدأت تحل محل العقل والقناعة والتروّي، وبدوات الجاهلية والفردية راحت -في بطء وعلى استحياء- تتخفف من دقة الالتزام بمبادئ الشريعة، اكتفى بعضهم من الدين بممارسة شعائره، حتى ليمكن القول إن الحكم اتجه"نحو الأوتوقراطية"بعد أن كان"ثيوقراطيًا". فأبو الأسود الدؤلي -مثلًا- يخاطب حارثة بن بدر الغُداني لما أسندت إليه ولاية"سُرَّق"من أعمال البصرة قائلًا:
أحارِ بنَ بدر قد وَليت إمارةً
فإن جميع الناس إمّا مُكذِّب ... يقول بما تهوى، وإمّا مصدِّق (56)