فهرس الكتاب

الصفحة 13335 من 23694

ويخاطب النعمان بن العجلان الأنصاري عامل (علي) على البحرين قائلًا: ... فندلًا زُريقُ المال ندل الثعالبِ

أرى فتنةً قد ألهت الناس عنكم

فإنّ ابن عجلان الذي قد علمتمُ ... يبدّد مال الله فِعْلَ المُناهب (57)

يخاطب الأول بالجرذ، والثاني بالثعلب، وكأن المسؤولين عنده حيوانات كلِبة، أو كأن الغرض إغلاظ القول، لا حل المشكلة على النهج السابق.. كأن العقل والشريعة دخلا في بيات شتوي، في كفالة الذاكرة. أجل قد يكون هناك اختلاف بين السلطة والمبدعين، واتساعُ دائرة هذا الخلاف بينهما قد يؤدي أحيانًا إلى اتساع دائرة الإبداع والكشف، ولكن لا ينبغي أن تكون الظاهرة الخلافية هدفًا، لأن الهدف أصلًا الوصول إلى حلول، إلى التقاء معرفي، وليس الهدف الاكتفاء بأن نختلف. لأن من عقابيل الاختلاف تعنّت السلطة، والحد من الإبداع، وعندما نصل إلى هذا المأزق نكون كمن يسعى إلى حل الخطأ بخطأ جديد. وقد لا تستطيع السلطة المتعنتة قمع الإبداع، لكنها تُشْغَل بمعالجة قمعه عن قضاياها في الداخل وخصومها في الخارج فيعم الأذى الجميع، كما يضطر المبدع إلى الاحتماء بالرمز والتحايل فتكون بعض الإبداعات وليدة قيصريات وقسر، ويمعن المبدع في التركيز على ردة الفعل وحدها، ويتسع الشقاق، أو النفاق.. وكلاهما يبتعد بنا عن الهدف الفكري الإنساني النبيل، ذلك الهدف المضاع -في مثل هذه الحالات- بين قوة إنسانية تتحرك، وقوة أخرى منافسة تعيقها عن الحركة، وكل منهما يقطّب في وجه الآخر، أو يرفع السلاح. ثم يكون الخلل الصعب.. وفي التاريخ كله كان دائمًا ثمة خلل. خلل غالبًا ما أفضى إلى سلسلة من الهزات والكوارث، والذي يدفع إلى ذلك ما في الإنسان من نزعة أو نزعات تفسد الجانب الخيّر فيه، وتُحِل الهياج محل العقل في إصلاح الخلل، وفي تاريخ السلطة العربية يمكن أن نشير إلى شيء من ذلك كمؤشر مبكّر مستعينين بأحد الشهود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت