فما أخذا درهمًا غيلة ... ولا قَسَما درهمًا في هوى (59)
ولما قال هذه القصيدة سجنه عثمان (بخيبر) حتى تشفع له علي بن أبي طالب فأطلق سراحه. ... على ظلم أهل الحقّ بالغدر والكفرِ
وهنا حريّ بنا أن نلاحظ ونسجل أن (عمر) استجاب لقصيدة يزيد بن الصَّعِق الكِلابي فشاطر الولاة أموالهم وعثمان لم يستجب لابن حنبل، بل سجنه، وعمر ولّى عاملًا واحدًا من أسرته وكان يظنّ به الصلاح (النعمان ابن عدي) ثم عزله في أول مخالفة، على حين ولّى عثمان مجموعة من أسرته مناصب، وبذّر الأموال فيهم.. فتأمل؟!
إن هذا ليذكّر بقول أحدهم:"إن الملك إذا كثرت أمواله مما يأخذ من رعيته، كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنيانه". على هذه الصورة يكون الخلل أحيانًا، والترخّص في الجزئيات يفضي إلى الترخص في الكليات. ويصلح أن نضيف هنا أنه منذ زمن عثمان بدأت السلطة في إبعاد معارضيها ونفيهم، أو إرسالهم إلى جبهات القتال ليحققوا للسلطة انتصارات تعزز مكانتها، أو للتخلص منهم، كما فعل معاوية الذي كان يقول: إن ذلك أخفى، وكان لا يقبل في الشام أي معارض له. وهذا مما أدى إلى تفاقم الأمور وتردي الأحوال والأحكام، فاختلف ظن الناس وكلامهم حتى قال الشاعر ابن أديَّة:
وقد أظهر الجورَ الولاةُ وأجمعوا
فقد ضيّقوا الدنيا علينا برحبها ... وقد تركونا لا نَقَرُّ من الذُّعر (60)