فهرس الكتاب

الصفحة 13339 من 23694

وإذا كانت عبارة"تعطيل الأحكام"تنطوي على انتقاد معتدل لا يخلو من توجيه، فإن الأمر -بعد ذاك- سيختلف. سيختلف لا لأن السلطة لم تستجب للانتقاد، ولكن لأنها ستمعن في محاولة قمع أي انتقاد، وستبحث عن صيغ تنص على الطبيعة المقدسة لوظيفتها، وستجد هنا وهناك من يُفتي لها بهذا الحق، وإلا فكيف نفسر تلك الأخبار التاريخية التي تُقيد لنا أوامر وتعليمات بـ (سفك الدماء) ؟! فيزيد بن معاوية عندما بعث بابن زياد إلى العراق أمره بسفك الدماء والاستباحة، فكانت نكبة كربلاء. وحينما بعث يزيد بمسلم بن عقبة المرّي إلى المدينة أمره بسفك دماء أهلها واستباحها ثلاثة أيام فكانت فاجعة الحرّة. وقد سمي بعدها: مُسرف بن عقبة (بدل مسلم) وعبد الملك بن مروان حينما قذف أهل العراق بالحجاج أوصاه أن يسفك دماءهم.. وقيل إن من قتلوا بأمر الحجاج -سوى من قتلهم في حروبه- كانوا مائة وعشرين ألفًا.. وزياد بن أبيه والحجاج صرحًا في خطبهما بأنهما لن يعملا بالشريعة، بل سيأخذان الطائع بالعاصي، والمقبل بالمدبر. فهل كان الحجاج -مثلًا- ظاهرة فريدة في الحكم، أو كان ظاهرة مَرَضيّة فيه؟ الإجابة ليست في الحجاج، فما هو سوى سيف السلطة ولسانها. ولا يذهبن بك الظن إلى تعليل ذلك بتمرد الناس، فالناس لا تتمرد هواية ولهوًا. والناس لم تتمرد على عمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز، والعُمَران وغيرهما أوصوا بالناس وبأهل الذمة خيرًا امتثالًا للأحكام الشرعية الإسلامية.. وثمة من عطّل الأحكام وأمر، أو قام بسفك الدماء، فابتعدت بهؤلاء سُلطتهم عن الإسلام وعدله الذي حرّم قتل النفس إلا بالحق. والحوار الذي كان هادئًا أو فيه مصالحة بين السلطة والمبدعين سينقلب إلى خصومة يَشهر فيها طَرَفٌ سيفه، وآخر لسانه.. ثم يبتدئ الغلط، ويختل التوازن، ثم يكون حديث عن الحقوق، وعن العدالة، وعن توزيع الثروة، وعن الحرية وقضايا أخرى..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت