فهرس الكتاب

الصفحة 13340 من 23694

وستكون مصيبة الشاعر المسلم وقوعه في صراع بين نفسه ومُثُله وعقيدته، وبين السلطة (62) . فالشعراء والخطباء والمتكلمون والمتحزبون يبحثون في الشريعة عن حق القرشيين أو الهاشميين أو الأمويين.. أو عن حق الشيعة أو السنة أو المعتزلة أو الخوارج أو الزبيرية.. أو عن حق الرعية عباد الله. والسلطة تبحث في الشريعة نفسها وعند الفقهاء والقضاة.. وحتى عند الشعراء عن حقها الخاص، وإن أعياها التشريع أو النص تسن حقها وفق الحاجة وضرورات المرحلة، وتُسكت من يرى غير ذلك، أو يعرف غير ذلك بوسائلها من الترغيب والترهيب. وبهذه الأساليب فرّخت الحالة نماذج من المبدعين الموالين المداحين، ونماذج من المتمردين الغاضبين الثائرين، ونماذج من المنافقين، وربما منذ ذلك الزمن بدأت ظاهرة الازدواجية السياسية أو العقائدية في النمو عند فئة تلهث وراء امتيازات السلطة في الوقت الذي تتخذ من المعارضة زيًا ترتديه في المناسبات. كما أفرزت هذه الحالة ألوانًا من الإبداع الصوفي، أو الفلسفي، أو الزهدي، أو الغنائي اللاهي، أو الجدلي النقدي، أو العابث الهازل والساخر.. حتى صار الانسحاب من الحياة عند بعضهم اختيارًا فيه براعة الخروج من مأزق صعب.

وثمة مبدعون استقرؤوا تفصيلات ما كان يجري وأشاروا بأصابعهم وألسنتهم إلى مواطن الانحراف والإخلال بأحكام الشريعة كأبي حمزة الخارجي الذي فنّد في خطبة له ما كان من أمر سياسة الأمويين الحاكمين -على حد تعبيره- بغير ما أنزل الله، وما كان من أمر تلك (الشِّيَع) التي رماها بالجهل بالدين والقرآن (63) . وشد ما سيترتب على مسألة الجهل هذه من إجراءات وإشكالات تدفع إلى فضل قول واستغراب واستنكار، كما في محاولة الكميت ابن زيد سَوْق مثل هذا الحجاج محتكمًا إلى الشريعة، مطالبًا بالعدل والمساواة، يقول:

فيا ساسةً هاتوا لنا من حديثكم

أأهل كتاب نحن فيه وأنتمُ ... على الحقّ نقضي بالكتاب ونعدِل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت