فكيف، ومن أنّى، وإذ نحن خِلْفة ... فريقان شتّى تَسْمنون ونُهزَل (64)
وكما في شكوى الراعي النميري التي رفعها إلى عبد الملك بن مروان يُبين فيها ظلم السُّعاة (65) ، مما يمثل مظهرًا من مظاهر الظلم العام ولفتًا لنظر السلطة إليه. والشاعر عمرو بن أحمر الباهلي يشكو -في قصيدة مماثلة- عمال الصدقات إلى الأمير الأموي يحيى بن الحكم بن العاص، ويطلب محاسبتهم يقول: ... لا تخفَ عينٌ على عين ولا أثَرُ (66)
فابعث إليهم فحاسبْهم محاسبةً
تلك صورة لمعالجة الممكن بإشراك الإبداع والعقل في الحدود المتاحة.. ... أَمُرّ بحبل ليس فيه بعير
ومنذ ذلك التاريخ تُطالب السلطة بمثل هذه المحاسبة، ويتحول أسلوب الشاعر في مطالبته غالبًا إلى هجاء، مما يجعل السلطة تبادر -بردة فعل غير متأنية- إلى تحسس مقابض السيوف. وتتوزع الأحوال منازع الشعراء ومصائرهم، فنجد شاعرًا كابن أُدَيّة يلجأ إلى الله ويشكو إليه الحصار والذعر (67) ، وشاعرًا كابن قيس الرُّقيّات يتخذ موقفًا سياسيًا حزبيًا فيمتدح مصعب بن الزبير، ويزَوَرُّ عن بني أمية، ويصرح بعداوتهم، وشاعرًا كإسماعيل بن يسار يتجاوز حدود الأدب في شعره ويلمح إلى شعوبيته فيلقي به الخليفة الوليد بن يزيد في بركة الماء، ويعيد الخليفة هشام العقوبة نفسها عليه بأسلوب أقسى، وشاعرًا كالأحيمِرِ السعدي يقول:
وإنّي لأستحيي لنفسي أن أُرى
وأن أسأل العبدَ اللئيم بعيره ... وبِعران ربّي في البلاد كثير