فهرس الكتاب

الصفحة 13342 من 23694

والسعديُّ هذا وأمثاله يفتحون بابًا واسعًا للظاهرة الاقتصادية بما فيها من المساواة وفكرة توزيع الثروة.. مما يترتب عليه اختلاف وتفاوت في مواقف السلطة وتعليلاتها.. هؤلاء يسميهم أحد الباحثين"شعراء الصعلكة الاقتصادية"، يقول:"كان أصحاب هذا الاتجاه يصدرون عن إحساس عفوي يرفض الفروق الطبقية، ويصوّرون وضعهم الاقتصادي السَّيِّئ وما ينشأ من مشكلات الفقر والحاجة، وكان لبعضهم كعبد الله بن الحر أهداف سياسية يكافح من أجل تحقيقها، وهو الذي يقول مصورًا الحالة التي آلت إليها الخلافة: ... ونبعَ بلاد الله قد صار عوسجا"

ألم ترَ أنّ المُلْك قد شِين وجهُه

ويبدو أن همه كان مركزًا على استلاب ما تملكه السلطة، وبخاصة بيت المال... وكان يصرخ في شعره بأن القسمة هي مذهبه، ويعني -في المصطلح الحديث- أنه كان اشتراكيًا. يقول: ... ولم نتّبعْ رأي الشحيح المُتاركِ (68)

إذا ما غنمنا مغنمًا كان قِسمةً

ولكن لا، لم يكونوا يصدرون عن إحساس عفوي، بل كان إحساسًا حارًا بالظلم وبعدم المساواة، وبالخروج على أحكام الدين، ومن هنا كان احتداد السلطة المبذرة ضد هذا الإحساس السليم الواعي.. لقد رأى هؤلاء في رموز السلطة إفسادًا للإسلام، من هنا يقرر أبو دهبل الجمحي بمرارة (69) : ... تأمَّرَ نَوْكاها فدام نعيمها

وما أفسد الإسلام إلا عصابة

فصارت قناة الدين في كفّ ظالم ... إذا اعوجّ منها جانب لا يُقيمها

وهذا الإحساس بالظلم الاقتصادي أو السياسي أو الطبقي أو الفئوي ولّد حالات من الرفض والاعتراض، وحرَّض العقل العربي على التفكير والبحث، والمواقف المتشددة، مما كشف لنا مدى الحيوية والغنى في حركة الحضارة العربية بكل تجلياتها.. وكان ممن رفضوا الظلم أسماء باقية في التراث والذاكرة العربيين كعروة بن الورد، والشنفري، وأبي الأسود الدؤلي، وأبي ذر الغفاري، ومالك بن الريب، والقتال الكلابي الذي يقول (69) : ... على الناس ألاّ أن تُذَلَّ رقابها

فما الشرّ كلُّ الشرّ لا خير بعده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت