ومن هؤلاء دعبل الخزاعي، وعِمران بن حِطان، وابن حزم الأندلسي الذي كان عنيف المزاج جسورًا، هاجم حاشية السلطان والقضاة والولاة والفقهاء والفساد، من رشوة وإقطاع ورِبا.. حتى قيل:"لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان"، ومن هنا صدر الأمر من حاكم إشبيلية المعتضد بن عباد بمنع تداول مؤلفاته فجمعت وأحرقت جميعها أمام الناس.
ومما شكل همًا بارزًا لعلاقة السلطة بالمبدع: المرأة العربية، فالسلطة وصية -دينيًا وأخلاقيًا- على الحرائر والعقائل، والشاعر قد يُسيء إلى هذه الوديعة، الأمر الذي كان بعيد الأثر في حياة الشاعر وحريته، وفي إثارة حفيظة الحكام من أزواج وآباء. والمسألة هنا لم تكن غَيْرة غريزية خالصة، وإنما كانت أيضًا حكمًا إسلاميًا ينظم علاقة المرأة بالرجل بحيث بدت هذه العلاقة أقل حرية أو فوضى مما سبق، وصارت كلمات مثلُ: الزنا والخيانة، والمجون، وهجر القول والتشبيب.. مستهجنة، وصار الشعراء يُعاقبون على التعرض للنساء ومحاولات التغرير والمراودة عن النفس، فنُفي بعض هؤلاء وقُتل بعضهم بجرائر من هذا النوع، كما جرى لسحيم ووضاح اليمن الذي قتله الوليد تلك القِتْلة الفظيعة، وأبي العتاهية الذي تغزّل بسعدى مولاة بني معن بن زائدة فتصدى له مولاها عبد الله بن معن وأنزل به عقابًا بضربه مائة سوط. وتغزّل بجارية من جواري زوجة المهدي فأمر بضربه مائة سوط وسجنه. ثم دعا الرشيد بعدها أبا العتاهية إلى معاودة حياة الله والمجون والتغزل فامتنع، فضاق الرشيد بامتناعه وأمر بضربه وحبسه (70) .. فيا لبؤس الشاعر! إن تغزل ضُرب وسُجن، وإن امتنع عن التغزّل ضُرب وسُجن!! وخصي بعضهم كالشاعر أبي المسك كافور الليثي الصوري (نسبة إلى صور. ت 521هـ) وكان أحد الأحباش الخصيان حكمت عليهم الأرستقراطية العربية بهذا النوع من البوار الآدمي (71) . ومن هؤلاء الذين عوقبوا لهذا الغرض: الأحوص، وضابئ بن الحارث البرجمي.