فهل كان مثل هذا السخاء تكريمًا للإبداع وتشجيعًا للمبدع؟! لا، بل كان عنوانًا لرضا الحاكم، ومقياسًا لمزاجه وعاطفته، لا ترجمانًا لعقله وتفكيره، وإلا فماذا يعني كون الندماء أكثر رزقًا؟ والعقلاء القلائل من الخلفاء والأمراء هم الذين زهدوا في تلك المبالغات المدحية ولم يكترثوا لغير إحقاق الحق كعمر بن عبد العزيز، على حين كان هشام لا يعذر الشاعر المتغيب الذي لا يفد لمدحه وتقديم فروض الطاعة وتعظيم السلطان (73) . ولكنه أطلق الفرزدق من سجنه خوف لسانه. وقضية خوف اللسان هذه كانت مؤشرًا لأثر الشعر في الحكام، ومسربًا للإنفاق السلطوي بغير اقتناع، مما ولد موقفًا لا يخلو من ضغينة ضد هذا الفن، على أن بعض الحكام استثمروا قوة التأثير الشعرية فوظفوا الشعراء للدعاية لهم، والشاعر من هذا النوع لم يكن يهمه ما يقول"إذا أدى ذلك إلى كسبه وترفيهه، فلا نعجب إذا قرأنا أن (سَلْمًا الخاسر) كان يُعد مراثي لكبار العظماء قبل أن يموتوا، ويبكيهم قبل أن يرحلوا عن هذا العالم، ما دام الأمر قضية كتابة قصيدة لقبض ثمن" (74) . ومن مظاهر استثمار السلطة الإبداع لخدمتها ما سنه الرشيد في أمر الخطابة؛ إذ طلب إلى الأصمعي أن يُعد لابنه الأمين خطبةً يخطب بها يوم الجمعة، كما طلب إلى إسماعيل اليزيدي وابن أخيه أحمد أن يُعدَّا خطبة مماثلة يخطب بها المأمون، وبذلك سنّ للخلفاء أن يخطبوا بكلام غيرهم.. ومعروف أن الولاة كانوا يجمعون بين الولاية والصلاة، ويظهر أنهم أخذوا مع مرّ الزمن يخطبون بكلام غيرهم (75) .