مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 63 - السنة 16 - نيسان"أبريل"1996 - ذي القعدة 1416
فهرس العدد
ولا يغرب عن البال أن استجابة المبدعين في كل مجال لرغبات الحكام قد قلّلت من قيمة إبداعهم، ومن تأثيرهم في النفوس، وفي الوقت نفسه فتحت بابًا للنفاق والمراءاة والملق، ارتاده النابغة وتبعه كعب بن زهير ومن لحق بهما، مع اختلاف لا يُجهَل في المنزع والنية وخبيء الطوية.. وبقي الباب مفتوحًا حتى قال يحيى البرمكي:"العجب للسلطان كيف يُحسن، ولو أساء كل الإساءة لوجد من يزكيه ويشهد بأنه محسن!." (76) . ... فاحكم، فأنت الواحد القهّار
ولا تلتفت كثيرًا إلى ما قاله الدكتور شوقي ضيف:"وقد يكون الخليفة سيِّئ السلوك مثل الأمين، ولكن الشعراء يمدحونه بنفس هذه المثالية الكريمة للخلفاء.. لأنهم لا يمدحونه من حيث هو، وإنما يمدحونه خليفة للمسلمين وموضع آمالهم، وكأنما يريدون أن يرفعوا أمام عينيه الشعارات التي تطلبها الأمة في خليفتها لعله يثوب إلى طريق الرشاد" (77) . إذ لو كان الأمر كذلك لسبق إليه الشعراء الصالحون، أو لبحث الخلفاء عن الفقهاء والعلماء قبل بحث بعضهم عن المغنين والندماء. ثم كيف نتصور أن مسؤولًا كالأمين تكتب له خطبة الجمعة سيكون بهذا القدر من الحصافة والحرص والتدبير ليتأثر كثيرًا بمرامي الشعر؟ أجل كان لمثل هذا أثره في مرحلة سابقة، وعند خليفة كعبد الملك الذي كتب إلى الحجاج -وقد بلغه أنه لا يراعي الشعراء- قائلًا: