لقد كان عبد الملك يدرك جيدًا قيمة الشعر والشعراء، الأمر الذي لم يكن يدركه من الخلفاء العباسيين إلا القليل، لأن طبيعة حياتهم اللاهية غالبًا لم تكن تتيح لهم وقتًا كافيًا لاستيعاب التراث كمن سبقهم. ومن هنا يمكن القول إن لثقافة السلطة أثرًا كبيرًا في تقدير الإبداع والمبدع، فبقدر ما يكون الحاكم مثقفًا عالمًا أو أديبًا تكون رعايته للعلم والإبداع، كالمأمون، والمهدي والرشيد وسيف الدولة الحمداني الذي كان ينظم الشعر، وكان يؤمّ بلاطه أكثر من اثني عشر شاعرًا، فضلًا عن اللغوية كابن جني وابن خالويه وأبي الطيب اللغوي الحلبي، والفيلسوف الفارابي الذي حباه براتب شهري... ونجد مثل هذا عند الصاحب بن عباد، وابن العميد، والفاتح محمود الغزنوي وغيرهم.. وكان تقدير هؤلاء للإبداع محاولة جادة لجعل الفكر العربي والحضارة العربية بمستوى الانتصارات الحربية، وبمستوى الحضارات المجاورة، وقد كان ذاك فعلًا.. ولو كان الخلفاء وممثلوهم جميعًا، والشعراء ونظراؤهم من المبدعين.. احتكموا جميعًا إلى العقل، ونما في نفوسهم الإحساس الأصيل بالمسؤولية لكنّا غير ما نحن عليه اليوم.. ونحن بهذا التحسّر نطمح إلى المثالية، ونسعى ألا يتسرب اليأس إلى ما بالنفوس، وفي الوقت ذاته لا نريد أن نقلل من شأن من نهضوا بمسؤولية السلطة في تاريخنا العربي، فثمة من كانوا يقودون الجيوش بأنفسهم، ويباشرون شؤون الأمة -صغيرها وكبيرها- بأنفسهم، وخاصة زمن الأمويين، وبعض العباسين. وبورك الشعراء الذين تغنّوا بانتصاراتهم، وخلدوا في نفوسنا وذواكرنا قِيَمهم وأمجادهم.