ولكننا نذكر في الوقت نفسه كيف انصرف كثير منهم إلى العبث واللهو غافلين عن مسؤولياتهم في رعاية الدولة، كالوليد بن يزيد وعدد كبير من الخلفاء العباسيين يربي على اثني عشر خليفة يبدؤون بالمهدي حتى المعتز.. كانوا جميعًا يلهون كثيرًا ويشربون، وتقلدهم الحاشية في ذلك.. ثم كانوا يقيمون الحدود على شاعر يذكر -مجرد ذكر- صفة الشراب في شعره. وكأن الشرع استثنى ذوي السلطة من حكم شارب الخمر. فكان عند بعض الخلفاء تقليدًا، وعند بعض الشعراء جريمة!. إن هذا مما لوّث عقول القوم برياح العبثية العابقة في فساد الأمكنة، فكان الغياب والانسحاب والتراخي، وتناهبت قلوب الناس مسارب وقنوات أفضت إلى التذبذب الذي يحار المرء في تعليله، كما كان من شعراء الانتماء: كثير، والكميت، وابن قيس الرقيات، وعبد الله بن الزبير الأسدي.. وتصاغرت بعض النفوس المحسوبة على الإبداع حتى أصابتها لوثة الهبوط في الفكر والكرامة والمعتقد، فلجأت إلى المبالغات المهينة، كقول الشاعر ابن هانئ الأندلسي للمعز لدين الله الفاطمي (78) .
ما شئتَ، لا ما شاءتِ الأقدارُ
وكأنما أنت النبي محمد ... وكأنّما أنصارُك الأنصار
وربما من هنا غرقت بعض نُوى الإبداع وملكاته في الزهد والصوفية والعبثية وغير ذلك من الحالات المرضية التي لم تألفها عزة العرب ومنعتهم وأنفتهم، ولا عزة الإسلام وما بعث في النفوس من الكبرياء ويقين الحق.. وإن في بعض مظاهر الزهد والمسكنة والدروشة لتزييفا للإبداع واحتواءً له -على لغة العصر- وإنما الإبداع وليدقلق يصل حافة الثورة، أو حد الشهادة أو الخلق، كي لا تكون الأشياء الجميلة مخربة، والحرية مقموعة، والحق مختنقًا.. إنه موقف ضد كل من يجعل الحياة، أو ما يجعل الحياة غير بديعة. ... من الراح ينفي الهمَّ عني إذا اتّسعْ