إن التكسب والتزلف والممالاة والخوف والإغراء بالمناصب والترف، والتوزع في شراذم متفاوتة الميول والأهواء والمعتقد، والتعلل بالحاجة والعجز وفوات الأوان... كل ذلك قد جرف القوى المبدعة وبعثرها كريش بجعة مزقتها النسور، وأحال المبدعين إلى نماذج فردية حانقة، ومزاجية، وغير منتمية بالمعنى (الأيديولوجي) ، في مقابل نظام متكامل وأنساق متعاقبة من السلطات الراسخة بكل ما فيها من إيجاب وسلب.. مما هيأ ظروفًا مواتية لسلطات غير منصفة تعاقبت على ظلم كثير من المبدعين بغير حق أحيانًا، وأحيانًا بتعسف في استخدام الحق الذي تعرفه الجماعة، وفي أحيان قليلة تم الظلم والنفي والتشريد والتجويع والسجن والقتل بغير حق على الإطلاق، وكأن السلطة لم تكن أكثر من وظيفة تأديبية. وإن الذين لوحقوا وظلموا كانوا من الكثرة بحيث يتحرج المرء من تعدادهم (*) .. ولن نعيد قص ما في كتب التراث من أخبار غيلان الدمشقي، والحلاج، وابن المقفع، وبشار بن برد وصالح بن عبد القدوس، وأعشى همدان، وأبي جِلدة اليشكري، وعِمران بن حِطان، والكميت، وابن مفرّغ الحميري، ومنصور النمري، وابن عمار، وابن الأبار، وسُديف، وابن الخطيب، وأبي نصر الفارقي، والأبيْوَردي، والباخرزي، وجعفر المصحفي، وابن زمرك، والسُّهْرَوَرْدي، والطُّغرائي، والعكوَّك (علي بن جبلة) وحماد عجرد... كل هؤلاء وغيرهم مضوا قتلًا أو غيلة، أو في ظروف غامضة كظروف محمد بن القاسم الثقفي، وموسى بن نصير وطارق بن زياد.. وهذه أمثلة لا إحصائيات، أمثلة تتوزع أزمنتها وأمكنتها وأسبابها، ولكن السلطات كانت وراءها.. أما من سجنوا فكانوا أكثر من ذلك، وأقل من هؤلاء وأولئك من عوقبوا بالنفي والجلد والإبعاد.. ومورس على كثير من المبدعين التجسس والمراقبة والاستماع إلى الوشايات عنهم، والاستجابة للكيد وإيغار الصدور..