ونحن لن نستخلص من عرضنا السريع هذا حكمًا عامًا نقرر به أن السلطات العربية كانت أميل إلى الشدة والتضييق على المبدعين، أو نجعل منها وحدها سببًا في الحد من الإبداع، فثمة سلطات وفرت قدرًا طيبًا من الحرية للمبدعين وأقامت جسورًا معهم توشك أن تكون من أسباب المصالحة، كما فعل المأمون الذي قرب إليه كثيرًا من الجدليين والنُّظّار والفقهاء والزنادقة وأهل المعرفة.. وكان يناظرهم هو بنفسه أحيانًا (82) .. وفكرة الحوار هذه تنمّ على تفهم لطبيعة الحركة الفكرية وتشجيعها، وهذا تقليد إسلامي عريق، كان مسلكًا مألوفًا في الأوائل.. ومن المفارقات التي تدعو إلى التأمل أن المبدعين القلائل في عصور الإمارات وجدوا مثل هذا المناخ المتساهل أحيانًا، وأُكْرِمَ الأدباء، ولعل حاجة السلاطين المتأخرين إلى الثقافة العربية الإسلامية هي السبب في ذلك. وهذا يشير إلى أن الحياة العقلية بقي لها حضورها واستقطابها الناس على حساب القيم الروحية والقومية والفروسية وغيرها. أو استمرت في ازدهارها بقوة الدافع السابقة الأصيلة.. بَيْد أن سلطان الهوى كثيرًا ما تورم فصار كمنطاد منفوخ يطفو فوق سلطان الدين والعقل، وتفنن في حبك تُهم قاتلة لبعض نوى الفكر العربي الأصيل مما أفقدنا ما يعجز العقل عن تقديره وتصوّره لو أتيح له أن يخرج إلى النور سليمًا غير جهيض أو ظنين.. ... وكان أبوك قادمة الجناح
يمكن القول في النهاية إن علاقة السلطة بالإبداع ترسمها القوة، وظفر أحد الطرفين بالآخر وتغلّبُه عليه- إن كان ثمة مواجهة- يتوقف على قوة أي منهما.. والمبدعون لن يحققوا طموحاتهم أو مشروعهم الإنساني بغير قوةِ، والسلطة لن تحقق إرادتها أو امتيازاتها بغير القوة، ولكل أسلحته.. ولا بد أن ينتصر العقل الذي به تُصْنَع السلطة ويُنجز الإبداع.
الحواشي والتعليقات: