فهرس الكتاب
وحتى في الحالة التي يكون فيها الشرق قد اعتمد على بعض الأحاديث النبوية الشريفة، فإن سوء الفهم، وخطأ التأويل حاد بهم عن الصواب، ووجههم التوجيه المعاكس بخاصة ما كان يصدر منهم في حجج قراءاتهم للشرع في عهد المتوكل العباسي والذي اعتمد على أحاديث شريفة يؤكد النووي صحتها ومنها قول الرسول (( ) لعائشة"يعذب المصورون يوم القيامة"وقد رأى أبو علي القالي أن قول الرسول يتجه إلى منع عمل خطير من مفهوم الإسلام وهو تصوير الله تصوير الأجساد، وإن المنع إنما يقتصر على ذلك، وفي رأيه أن الحديث الشريف إنما يعني:"يعذب المصورون الذين يصورون الله تصوير الأجساد"إلا أن أنصار المنع كان لهم دور كبير في عدم الاهتمام بالتصوير التشبيهي والانصراف إلى الفن التجريدي. وقد تكون المذاهب الدينية قد مارست دورها في تشجيع التشبيه أو في منعه. إذ أن التشبيه الفني في منطقة المذاهب الشيعية لم يكن محرمًا بينما كان في المنطقة السنية أقل انتشارًا وأوضح ارتباطًا بالمنع الذي تأكد لديهم من الحديث الشريف (6) .
لذلك أخذ مفهوم التحريم حيزه الأوفر عند مفسرينا القدامى الذين ابتعدوا في ذلك عن الفهم الحقيقي للمصادر الأساسية اعتقادًا منهم أن فن التصوير التشبيهي مساس ببيان صفات الله للامتثال الظاهري، فانطبعت النشاطات الفنية بطابع هذه الرؤية الخاطئة. غير أن الحقيقة عكس ذلك من حيث كون الفنون -والتشكيلية منها على وجه الخصوص -تتيح لنا إلقاء نظرة أخرى على الحضارة الإسلامية. فالفن الإسلامي يعرب عن تصور للعالم يحدد بآن واحد مصيره، وصيغه ومفرداته التشكيلية وتقنياته. ذلك أن المفهوم الإسلامي عن العالم لا يحض على التمثيل الواقعي وإن اقترفنا بهذا الصدد خطأ التأويل وزعمنا أن القرآن يمنع تمثيل الكائنات البشرية بينما هو يقتصر على خطر عبادة الأوثان (7) .