فهرس الكتاب
ومما لا شك فيه أن الفن الإبداعي في حياة المسلمين -خلال هذه الحقبة الزمنية وما تلاها- نشأ شأن كل إبداع إنساني دون أن يهمل تفاعله الحميم مع عقيدته التوحيدية، وينبوع أفكاره الفلسفية -تباعًا- على الرغم مما كان يطبعه من إحساس مرهف قائم على فكرة التجسيد الظاهري في قيم الأشياء فكانت إبداعاته الفنية الزخرفية، مثلًا، رسالة جمالية معبرة عن روح طامحة إلى الكمال والخلود عبر اتصالها -الصوفي- بالخالق المبدع، فاطر الأكوان ومبدع كل جمال، فكان لجوء فناني الزخرفة المسلمين إلى التجريد نتيجة لرقي المستوى الفكري والذهني والإحساس الفني لديهم، وليس لسبب مزعوم من تحريم تصوير الكائنات الحية، أو العاقلة، ولما كان المصدر الوحيد لهذا الفن النفس الإنسانية للمبدع، فقد انطبع مضمونه بطابعها، فكان المضمون دائمًا إفصاحًا جماليًا مرهفًا عن عقيدته التوحيدية الراسخة في قلب صوفي تعبدي، تأملي، ناسك، يتجه باطراد إلى إبراز الجماليات الخالدة -وليس العابرة- في إبداعات تتعلق بالجمال المعنوي الروحي في الإنسان، وليس الجماليات الآتية الموجهة إلى الحس أو الغريزة أو الشهوة لديه (8) .
أمام هذا التوجه الجمالي للفنانين المسلمين -المترجم لعقائدهم وأفكارهم - كان من الحتمي أن ينشأ عندهم ذوق جديد يستمد مقوماته من الجمال الروحي، لا سيما أن حضور المبدع الأكبر أضحى أقرب مصدر للجمال والكمال لديهم، ولذلك كانت محاولاتهم الفنية هي إبراز الجمال اللامتناهي المتجلي في الذات الإلهية.
جمال القول: