فهرس الكتاب

الصفحة 13368 من 23694

هذا جزء من كثير من عنايتهم بتزيين اللفظ ومراعاة تهذيبه وحسن تنقيحه وجزالته وسلاسته، وفي هذا ما يدل دلالة قاطعة على اهتمام العرب بالبيان في جماله اللفظي، ولعل اختلاط مفهوم البيان بالجمال وارد وبوفرة في اصطلاحاتهم اللغوية، فقد قال ابن الأثير: شيئان لا نهاية لهما هما البيان والجمال، ويبدو أن كل ما وضع البلاغيون من شروط في علمي الفصاحة والبيان كان في خدمة الجمال الفني (13) لما فيه من تركيز على سلامة النطق وتنقية الجمال المطبوع من الجمال المصنوع وذلك بالاعتماد على الذائقة الفطرية التي لم تعرف التمويه والتشويه، فالكلمة المسموعة بفصاحتها زخارف الفن العربي، لأن كلا منهما يقوم على البناء الهندسي، وهنا يكمن جوهر التعامل الجمالي المميز في الذهنية العربية، وهذا أيضًا ما يميز الشكل الخاص للوعي الجمالي العربي، ذلك أن مقولة الجمالي في هذا المضمار تعطي التعريف الشامل لحقيقة الوجود العملي الذي تنطوي طبيعته على مبدأ الانسجام والتنسيق والتنظيم بين أجزاء العمل، ومن خلال هذه الإشارة يمكننا القول بأن النقد العربي القديم قد عرف التفكير الجمالي، وعرفه متصلًا بالصياغة الأدبية، وقائمًا على التناسب والتناسق، ومراعاة الآثار النفسية المترتبة على مواقع المعاني في المطالع والمقاطع، ومعنى ذلك أن التفكير الجمالي عند النقاد العرب كان شيئًا له سماته الخاصة المتميزة من التفكير اليوناني في هذا الشأن (14) غير أن هذا لا يقلل من شأن الغاية التي توصل إليها نقادنا القدامى بفضل الإضافات التي كانت تستند إلى معطيات مستمدة من البيئة العربية، ومع ذلك فإن في ثنايا كتبهم ما يشير إلى امتلاك الرؤية الجمالية بالقدر الذي مكنهم حسهم المرهف، وذوقهم الطبيعي، كما يتضح من خلال هذه الآراء الانطباعية في أول أمرها، والتي يمكن إدراجها في منظورها السياقي العام، سواء ما كان منها معبرًا عن طبيعة الجمال بالتصريح أم معبرًا بالتلميح، وقد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت