إن سبيل تحقيق الجمال في منظور حازم مبعثه قدرة التحكم في المتعة التي تخلقها الأشياء المتجانسة، وفي التناسب والتلاؤم تظهر قيمة الجوهر الفني في تنظيم شكل وتناسق محتواه وهذا في حد ذاته ينطوي على سلوكات النشاط البشري ومن هنا يتحدد مكمن النشاط الجمالي للمخيلة الإبداعية التي تبرهن على نفسها من خلال إيقاع الكون. فالتناسب -ومن هذا المنظور- هو القوة الخالقة للتصور في جميع النشاطات الاجتماعية والفنية، أو قل في ذلك إنه المنظور الذي يرى أن الكون انسجام في جميع مجالاته بدءًا من مقول الكلام إلى ما يخلقه دوران الأرض في تنظيم حرثها. وهكذا نصل مع حازم إلى كون الانسجام صفة تدخل عالم التوحد بين الأشياء، التي تحددها جميع العناصر الجمالية، معتبرًا في ذلك نبض الكلمة إشارة أولية لبدء النشاط التشكيلي في ترنيماته وتحسين استدارة نطقها لأنها تفيض بحركة تناسب حركة خطوات النفس الوثابة في تموجاتها ونحن مأخوذون بسحر الكلمة في انسجامها الخلاق وهو ما عبّر عنه حازم بقوله:"ومن ذلك حسن التأليف وتلاؤمه والتلاؤم يقع في الكلام على أنحاء: منها أن تكون حروف الكلام بالنظر إلى ائتلاف بعض حروف الكلمة مع بعضها وائتلاف جملة كلمة مع جملة كلمة تلاصقها منتظمة في حروف مختارة متباعدة المخارج مترتبة الترتيب الذي يقع فيه خفة وتشاكل ما. ومنها، ألا تتفاوت الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال، فتكون الواحدة في نهاية الاعتدال والأخرى في نهاية الحوشية وقلة الاستعمال ومنها أن تتناسب بعض صفاتها مثل أن تكون إحداهما مشتقة من الأخرى، مع تغاير المعنيين من جهة أو جهات أو تتماثل أوزان الكلم أو تتوازن مقاطعها ومنها أن تكون كل كلمة قوية كالطلب لما يليها من الكلم أليق بها من كل ما يمكن أن يوضع موضعها".