مهما يكن من أمر فلا بد من وقفة أخرى عند بيت عامر الأخير؛ ومن بعد سأمضي إلى شاهد آخر. فهذا البيت يحدونا إلى استجلاء المعنى المضمن في كلمة (ذي بيان) وكلمة (أعجما) ... فعامر وسّع دلالة فخره بمجد قومه ليشمل العرب كافة، وهذا ما عناه بقوله"ذي بيان"؛ مما يؤكد أن صلته بالعرب قائمة على الحس الأصيل به دون أن يتلفظ بلفظ جامع لهذا المصطلح. فهو يشعر كغيره من الشعراء والجاهليين أنه ينتهي في أصوله إلى قبيلة والقبيلة تنتهي إلى جذور أخرى تربطها مع القبائل العربية، ويستمد هذا من قوله (إذ كل حي نابت بأرومة نبت العضاه) ... ولكن الفرع عنده وعندهم علا حتى استأثر بكل شيء، وتراجع الأصل إلى مرتبة تالية... غير أن الجذر الجامع يظل مكتنًا ويظهر بألفاظ شتى إذا استدعى الحديث عنه، وهذا ما يوحيه لنا قوله:"من ذي بيان وأعجما". فلفظ (ذي بيان) عنده بإزاء لفظ (أعجما) ، والأعجمي كل من عجز عن فهم لغة العرب أو لم ينطق بها... ... زوراءَ تنْفِرُ عن حياضِ الدَّيْلَمِ
ولهذا كله؛ فانتماؤه إلى ذوي البيان يتجلى بالحس دون أن يصرح به، هذا الحس الذي علا عند عنترة يوم تحدث عن ناقته التي رفضت أن تشرب ماء من غير المياه العربية... فكيف لها أن تشرب من مياه الديلم، وهي التي اعتادت شرب الماء العذب من الدُّحْرضين؟ وأنّى لها أن تنسى ذلك...؟ كما يقول (12) :
شرِبتْ بماءِ الدُّحرُضَينِ فأصبحت