فالانتماء حس متأصل في ناقة عنترة التي ترمز إلى صاحبها... وهو انتماء للعرب كلهم... ومفهوم العرب يظهر في أواخر العصر الجاهلي على بعض الألسنة دالًا على القبائل العربية. فهذا بدر بن معسكر الكناني"كان يستطيل على من ورد عكاظ فيمد رجله ويقول:"أنا أعز العرب" (13) . وهذه العزة الفردية هي التي أدت إلى التنازع بين القبائل... ولكن القبائل تتناسى هذه المنازعات فيما بينها إذا كان العدو من خارج العرب. ولا أدل على هذا من أن القبائل المتقاتلة اتحدت فيما بينها لتقف يوم (ذي قار) في وجه العجم... فبَكْر تطلق أسراها من بني تميم إلى جانب بكر وتشترك شيبان ويَشْكر وعِجل... وتنفضّ إياد من العجم بعد أن كانت حليفة لهم لتقف في صف أخواتها من القبائل العربية في حيلة مشهورة، وما بقي مع العجم إلا من كان له مأرب كبعض طيء وتغلب... وتجتمع العرب كأمة للمرة الأولى وتحارب أمة غيرها فتنتصر (14) . فيطلق نبي الأمة (r) عبارته في يوم ذي قار:"هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم، وبي نصروا" (15) . ... وكذَّبوه، فكُنَّا أسعدَ العربِ"
بهذا كله ندرك أن لفظ العرب ربما دار على بعض ألسنة الجاهليين بدلالته على القبائل العربية؛ ولكن الإسلام هو الذي أعطاه دلالة البعد القومي لجنس بعينه... أما في الشعر الجاهلي فنحن نمر بما وصل إلينا منه"فلا نجد فيه صيغة من جذر (ع - ر- ب) للدلالة على معنى قومي يتعلق بالجنس ولا على معنى يتعلق باللغة التي نتكلمها. وهذا أمر له تعليله في تاريخنا السابق على الإسلام. لقد كان الجاهليون غارقين في منازعاتهم القبلية" (16) . ليس لهم هَمٌّ إلا تعميق ولائهم لقبائلهم الصغرى؛ على وجود حسهم بالجذور الكبرى... وجاء الإسلام لينتشلهم من وهدة الصراع الضيق والقاتل، ولينبههم إلى ما كانوا يظنون أنه المثال الأرحب للانتماء... وليوضح لهم أن الانتماء الأرحب هو الانتماء الجامع، الذي يدل عليه مصطلح (العرب) .