مما تقدم تبين لنا لِمَ تراجع حس الانتماء بالقبيلة أمام الانتماء إلى العرب الذين يلتقون في نسب واحد في عدنان وقحطان؟ وكان هذا الانتماء قد تراجع في الجاهلية لحساب البطون الصغرى الممثلة في بكر وتغلب وتميم وأسد وعبس وشيبان، وطيء وخزاعة... والأوس والخزرج... وصار كل شاعر يتغنى بهذا الانتماء حتى ظهر أنه الأصل ولا أصل غيره في الشعر الجاهلي... تعالى صوت الافتخار ليرى الشاعر قومه أنهم أكثر قوة وبأسًا وشدة ونجدة من غيرهم، وشاعر آخر يرى قومه كالحصى عددًا، والجبال رسوخًا، والنجوم شرفًا، فإن عرفت فضلهم أعزوك، وإن استصرختهم أغاثوك (24) . وانتقلت هذه العدوى إلى الأفخاذ بعد ذلك... هذا ما نتلمسه في قول ضَمرة بن ضَمرة في قومه بني نهشل، وهم فرع من تميم فيقول (25) : ... يفَاعٌ إذا عُدَّ الروابي المواجدُ
وقد علِمَ الأقوامُ أنَّ أرومتي
وإن يَكُ مَجدٌ في تميمٍ فإنه ... نمائي اليفاعُ نهشَلٌ وعُطاردُ
وما جمعَا من آلِ سعدٍ ومالكٍ ... وبعضُ زنادِ القومِ غَلْثٌ وكاسِدُ
ومَنْ يتبَلَّغْ بالحديثِ فإنه ... على كلِّ حالٍ قيلَ: راعٍ وشاهدُ