فعلى الرغم من اعتزازه بقومه نهشل وما جمعوا من أفخاذ أخرى لا ينسى أن يرتفع بهذا الفخر إلى تميم... وهذا الاعتزاز في الانتماء يكشف لنا بما لا يقبل الشك كيف ينتقل مظهر الانتماء من الأصول إلى الفروع، وإظهار انتمائه بالفرع أوضح بكثير لديه من اعتزازه بالانتماء إلى تميم وهي الأصل -هنا-... وهذا ما يقال في ظاهرة الانتماء بتميم وأسد وربيعة... التي تنتهي إلى انتماء واحد... فالأعلى ينسحب لحساب الأصغر وهكذا... حتى جاء الإسلام فغيّر بنية المجتمع والفكر وأعاد طبيعة الأشياء إلى أصولها. ومثل هذا يقال في قول عمرو بن كلثوم الذي افتخر بقومه تغلب على غيرها من القبائل بما فيها بكر، وهو يعلم أن بكرًا وتغلب ابنا ربيعة... وما الاقتتال الذي حصل بينهما إلا تجسيد لمظهر الانتماء الضيق... ويتعالى فخر عمرو بقومه الذين يمنعون شرفهم أن يهان، وتراهم أوفى الناس عهدًا (26) : ... وأوفاهُمْ إذا عَقدوا يَمينَا
ونُوجَد نحنُ أمنعَهُمْ ذِمَارًا
فعمرو سيد مطاع في تغلب وفارس لا يشق له غبار، وعلى الرغم من ذلك لم يستعمل في شعره ضمير المتكلم الفردي، وإنما ذابت فرديته في إطار القبيلة التي ينتمي إليها، وسيطر على لغته ضمير الجماعة... فمجدها مجده، وشرفها شرفه... ولهذا ترى الفرد من أبناء كل قبيلة لا يني يرفع السيف في وجه من يلحق بها الضيم، فيدفع عنها الظلم بسيفه، ولو شاء لأخرج نفسه من هذا كله، كما يوضح لنا عبد يَغُوث بعد أن أُسر، فيخاطب قومه (27) : ... ترى خلفها الحُوَّ الجياد تواليَا
ولو شئتُ نَجَّتني منَ الخيلِ نَهدةٌ
ولكنني أحْمِي ذمَارَ أبيكمُ ... وكانَ الرّماحُ يخْتطفْنَ المُحاميَا