ونلحظ في هذا النص الارتباط الواعي للشاعر؛ فأنفته وعظمة نفسه منعته من أن يلحق الأذى بانتمائه، وهو انتماء طوعي ذاتي... فشجاعته أو إقدامه شكل للانتماء الخيِّر ولو انتهى به إلى الأسر فالموت، والشجاعة والثبات"وقاية والجبن مقتلة" (28) ... فالعرب كانوا يثبتون في المعارك ولا يفرون: فالمنية ولا الدنية، لأن الفرار مجلبة للذل له ولهم... لهذا أيقن كل عربي أن عزته وكرامته؛ بل مروءته تكمن في سيفه... فلو أهين وظلم لن يبقى له من مروءته شيء لا في قومه ولا في غيرهم... وهذا اتفاق عام نلحظه عند أبناء القبائل العربية على شدة الاختلاف في جذورها الصغرى وتباعد سكناها، فهذا زهير بن مسعود الضبي يخاطب صاحبته قائلًا (29) : ... عند الطِّعانِ، إذا ما احمرَّت الحدقُ
هلاَّ سألتِ -هداكِ الله- ما حسبَي
وجالتِ الخيل بالأبطالِ مُعْلمةً ... شُعْث النواصي عليها البيض تأتلِقُ
وقد غدوتُ أمامَ الحيِّ يحملُني ... نَهَدُ المراكِلِ في أقرابِهِ بَلَقُ
حتى أنالَ عليه كلَّ مكْرمَةٍ ... إذا تَضَجَّعَ عنها الواهِقُ الحَمِقُ
فما قيمة حسبه إذا أزرى به جبنه؟ وما مكانته في قومه إذا تهددت مروءته؟ وبهذه الدلالة نفهم قول زهير بن أبي سلمى (30) : ... يُهدَّمْ، ومن لا يَظلمِ الناس يُظلَمِ
ومَن لا يَذد عَن حوضهِ بسلاحهِ
وشرح الأصمعي هذا البيت قائلًا:"من لا يذد عن حوضه غُشي واستُضعِف ومن كفَّ عن الناس ركبوه وظلموه" (31) .
ولا يحتمل المقام الاستطراد في ذكر وجوه الانتماء إلى القبيلة وصلته بالقيم العربية؛ لأنه لابد من الوقوف عند الشكل المكمل لظاهرة الانتماء إلى القبيلة وهو الحديث عن الأرض وموارد الماء وما للقيم من مكانة في ذلك كله.
*) ) أستاذ الأدب الجاهلي والإسلامي المساعد بجامعة دمشق وقطر.