مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 63 - السنة 16 - نيسان"أبريل"1996 - ذي القعدة 1416
فهرس العدد
ومفهوم الأرض يختلف في عرف الجاهليين عنه عند غيرهم من الشعوب، فأرض القبيلة كل مكان وصلت إليه بقوتها فاستوطنتها، وعرفت باسمها فقيل ديار ربيعة، وديار طيئ، وديار أسد، وغير ذلك (32) مع العلم أن العرب أهل نُجعة يرتحلون وراء الكلأ والماء أينما لاح لهم، وريدت مواضعه... هذه المواضع التي يألفها القوم لتصبح بمنزلة الوطن... وهو وطن مؤقت فإذا رجعت القبيلة إلى المنازل الأصلية التي عرفت بها وهجرت تلك المناجع هاجت في النفوس ذكريات كثيرة... ولا سيما أن الاختلاط قد شاع فيها بين القبائل؛ وكأن هذه المناجع صورة لتوحد الأوطان فيما بينها... وفي الوقت نفسه صورة للتنازع إذا لم يتغلب عنصر الخير على النفوس... وأرى أن ظاهرة النجعة تعد من أهم أسباب انبعاث ظاهرة الأطلال في القصيدة الجاهلية، إذا لم تكن ظاهرة الأطلال صورة من صور الانتماء. فالجاهلي حين ينتقل من مكان إلى آخر لم يكن لينساه وما اغترب عنه كراهة به، ولكنه اغترب عنه لأنه ضَنَّ عليه بالكلأ أو الماء أو كليهما معًا... ولو مكث فيه لتضررت أنعامه، وضعفت قبيلته بعد ذلك... والقبيلة الضعيفة هي التي تقنع بالجدب والفقر ولا تزاحم القبائل الأخرى على المناجع الخصبة... ومن هنا نفهم لماذا يفتخر عامر بن الطفيل بأن الأرض كلها لقومه قيس عيلان، تتحرك فيها أنى تشاء، دون أن يقدر أحد على منعها، وإليها يحلو الانتماء وبها ينال المجد، فيقول (33) : ... لهم ساحَتَاها سهلُهَا وحزومُها
وما الأرضُ إلا قيسُ عَيلانَ أهلُها
وقد نالَ آفاق السماواتِ مجدُنا ... لنا الصَّحْوَ من آفاقها وغُيومُها