والحديث عن الأرض وحياة النجعة، يظل ينطوي على جملة من الرغبات في استكمال دلالة موارد المياه لدى العرب. فالماء عندهم يمثل لهم الآمال كلها، وفيه تكمن حياتهم وحياة أنعامهم وزروعهم... وهذه دلالة كثفتها الآية القرآنية: ]وجعلنا من الماء كُلَّ شيء حيّ" (36) . فلما كان الماء رمزًا لبقائهم، وقوتهم، ورمزًا للتعلق بأوطانهم... فمصادر الحياة الثابتة جعلت القبائل تستقر في ديار خاصة بها، وتعرف وطنًا لها دون غيرها... فإذا غادرتها سعيًا وراء الكلأ عادت إليها... ولكن ذلك ليس متيسرًا في الجزيرة العربية، لأن القبائل غالبًا كانت تجري حثيثة وراء الغدران والمصانع والآبار... وتحاول أن تنزل فيها متسابقة فيما بينها إليها... ومن ثم تعمد إلى حمايتها... فإذا نضبت تسقطوا منابت الكلأ ومظان المياه الأخرى... هذا دأبهم... ولهذا فلا غرو أن يطلقوا -بعد الذي سقناه- على المطر اسم الغيث (37) ، لأنه يغيثهم من الموت والجدب؛ استبشروا به، كما استبشرت الطبيعة به وفرحت له (38) .. ويفهم هذا من أشعار الجاهليين؛ كقول امرئ القيس (39) :"
وألقى بصحراءِ الغَبيط بَعاعَهُ
فالشاعر يصف لنا ما أحدثه المطر في الأرض، فازدانت بألوان شتى من الزهر والورد لا يشبهها في صورتها هذه إلا صورة الثياب الملونة التي نشرها تاجر يماني. ... ويَشربُ غيرُنا كَدَرًا وطيْنَا
وموارد المياه صورة تمتحن حسن الانتماء عند أفراد القبيلة، وشكل طبيعي له دلالات اجتماعية وفكرية في القصيدة الجاهلية؛ فهو يرمز إلى وحدة القبيلة وتماسك أفرادها، وذوبان الذات الفردية بالذات الجماعية. وبهذا تتجسد قوتها ومنعتها وعزتها أمام القبائل الأخرى... ويفتخر الشعراء بأن قبائلهم تشرب قبل غيرها، فهي ترد الماء صافيًا، ولا يبقى للآخرين إلا الكدر والطين كما يقول عمرو بن كلثوم (40) :
وأنَّا الشاربونَ الماءَ صَفْوًا