فهرس الكتاب

الصفحة 13402 من 23694

وتبقى موارد المياه من أعظم الظواهر إيحاءً وتأثيرًا في حياة العرب. وعلى قيمتها الكبيرة في وجودهم لم يكن أحد منهم ليمنع غيره من الشرب ولو كان عدوهم... وطالما اشتركت القبائل في سكنى أرض واحدة أو متجاورة وترود جميعًا آبارًا واحدة... فهذه -مثلًا- عَبْس وفَزَارة تتداخل أرضها في السكنى وتَرِدُ كل منهما الماء سواء بسواء فانعقدت المحبة بين القلوب، واستكانت الضغائن وما أساء إلى صورة العلاقة الطيبة بين القبيلتين إلا رعونة حمقاء لرهان على أفراس، وصحَتْ جذوة الانتماء من جديد فتنادى فرسان كل قبيلة إلى الالتفاف حول قبيلتهم... ونسوا الجذر المشترك الذي ينتمون إليه والأرض الواحدة التي نمت فيما بينهم أواصر الرحم والقربى... فهذا حَمَل بن بدر الفزاري يتجرأ على الغدر بمالك بن زهير العبسي فيقتله؛ وكان قيس بن زهير خليلًا لحذيفة بن بدر أخي حمل (41) ، فيبكي قيس أخاه مالكًا بكاءً مرًا، ولن يشفيه منه إلا رأس حمل، وتنادى بنو عبس إلى الثأر -على عادة القبائل العربية- أولًا، وحتى لا يتجرأ أحد عليهم ثانيًا... فمفهوم الثأر عندهم وقاية لأنفسهم... فتندلع حرب ضروس بين ذبيان التي تنطوي فزارة تحت جذرها الانتمائي ومن حالفها وبين عبس ومن حالفها يطلق عليها اسم حرب (داحس والغبراء) نسبة إلى فرسين اشتركا في الرهان والسباق؛ ويصطرع الحيان صراعًا داميًا لسنوات، إلى أن قيض الله لهما ذوي العقل، وأهل الرشد من الحيين؛ فيميل كل منهما إلى الصلح. ... تَبَزَّلَ ما بين العشيرة بالدَّمِ

ويحتسب الفريقان القتلى، فيكون الفرق عشرين قتيلًا، فيحتمل الحارث ابن عوف وهرم بن سنان دياتهم، ويوفونها في ثلاث سنوات وقد بلغت ألفي جمل (42) ، في بعض الروايات.

ويسجل زهير بن أبي سلمى هذا الصلح في معلقته المشهورة؛ ويثني فيها على صنيع هرم بن سنان والحارث بن عوف بعد أن يسجل ما الذي أحدثته تلك الحرب من نتائج مؤلمة فيما بين الأخوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت