وبهذا كله تبرز المرأة دافعة إلى جوهر الانتماء ومؤثرة فيه، ولا سيما طلب الثأر (49) . فهي تحض القوم على الثأر للقتلى من قبيلتها، وإذا ما فكر بعض أفرادها بقبول دية القتيل غضبت وزمجرت ورأت في قبول الدية ضعفًا وإهانة لقومها وقتيلها... ولعل كبشة أخت عمرو بن معد يكرب أوضح مثال على هذا. وكان عمرو قد قَبِل دية أخيه المقتول عبد الله فشرعت تقرّع عمرًا، وتزعم أن عبد الله أُهين في قبره ورفض قبول الدية، فتقول (50) :
ودعْ عنكَ عَمْرًا إن عمرًا مُسالِمُ
فإن أنتمُ لم تثأروا واتَّدَيتُمُ ... فمَشُّوا بآذانِ النَّعَامِ المصَلَّمِ
وهناك أمثلة كثير لهذا النمط من الدفع الفاعل لأبناء القبيلة لإثبات انتمائهم وأخذهم بثأر قتلاهم (51) .
بهذا كله ثبت لنا أن قيمة الشعر تتحدد بالصور التي يشتمل عليها، وبمقدار ما تحمله هذه الصور من إيحاءات فكرية متعددة... والشعر الجاهلي بهذا المحتوى يزخر بقيم غير متناهية، وبمفاهيم تبعث في قارئه حالة من الوعي المتميز للماضي والحاضر، ومن ثم يصبح هذا الوعي عونًا له على إدراك كل ما هو إيجابي وفعال لبناء الحاضر والمستقبل. وهو الوعي الذي جعلنا نتخيل أن القبائل العربية على تعدد انتماءاتها إلى البطون والأفخاذ لم تكن لتنسى أنها تنتهي إلى جذور واحدة، هذا الانتماء القائم على الحس الأصيل... على حين أن انتماءها إلى ما هو أدنى من الجذور قائم على العصبية... وهي عصبية عززت في نفوس أبنائها أشكالًا واحدة من القيم فالعرب جميعًا انتصروا للقوة والقدرة والشجاعة والنجدة واهتزوا للوفاء والكرم وحماية الذمار والشرف، وتحصنوا بالمروءة والسؤدد والمنعة... وعملوا على تنمية كل ما فيه عز القبيلة ومجدها وبقاؤها فوق أي قبيلة أخرى... وكرهوا الظلم والغدر والخيانة والذلة والمسكنة والفقر والبخل والإسراف والانحراف عن الخلق القويم... وأجمعوا على خلع صاحب الجرائر من بينهم...