فهرس الكتاب

الصفحة 13407 من 23694

هكذا تبين لنا أن هناك تماثلًا في الصفات الحميدة التي تواضع عليها العرب، وتماثلًا في الخلال المذمومة التي كرهوها... دون أن يعقدوا مؤتمرًا للاتفاق على هذه أو تلك... فالقيم الواحدة تحمل لنا سر انتمائهم إلى جذور واحدة وأرض واحدة وحياة واحدة... وكذا كانت القصيدة الجاهلية، جاءت في أوزانها وأشكالها معبرة عن سر انتمائهم الواحد... فحملت بصدق ما كانوا يؤمنون به. ووحدة اللغة ووحدة المشاعر ووحدة القيم ظلت بارزة وسط اقتتال القبائل الشرس على الأرض وموارد المياه... ثم يتراجع الصراع الذي أوراه اختلاف ما على قيمة فردية أو جماعية، أو تنازع على المياه... ويحلّ محله الوئام والصلح وتنسى القبائل خلافها وتذمه وتتذكر أواصر الرحم الكبرى (الانتماءات الكبرى) التي تكون لها شفاء من كل جرح... وهو اعتراف منهم بأنهم ينتمون إلى جذور واحدة وأرض واحدة وقيم واحدة. وهذا كله لا ينسينا أن طبيعة الحياة في بادية العرب المترامية ظلت سياجًا قويًا لخلق وحدة متجانسة بين القبائل التي تنساح فيها... وكل فرد فيها يظل ملخصًا لقبيلته متمسكًا بها أعظم التمسك.

وإذا كان لي من رأي أخير فخلاصته: إن حالة وعي الماضي تصبح تذكرة للحاضر لعلها تخرج الإنسان العربي من حالة الألم والضياع في غمرة بلبلة الأفكار الوافدة والقيم الفاسدة التي ينشأ عليها جيل إثر جيل فتزداد فرقتهم ويزداد بعدهم عن تراثهم؛ هذا التراث الذي يخلق فينا نشوة الانتماء إلى كل ما هو نبيل؛ وإن اختلفنا.

وحين أزحت اللثام عن واحدة من صور الفكر العربي الذي جسدته القصيدة الجاهلية في اتساق حضاري متناغم مع الحياة؛ فإني لا أدعي أنني استكملت الحديث عن ظاهرة من أبرز الظواهر عند العرب... أو أنني قلت فيها القول الفصل... وحسبي أنها تذكرة، وباعث للتأمل والتفكير في تراثنا الأدبي عامة والشعري خاصة، وهو لبنة من تراث أكبر وأشمل.

الحواشي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت