فهرس الكتاب
وكما أنه ليس من شأن المحسوس من حيث هو محسوس أن يعقل، كذلك فليس من شأن المعقول من حيث هو معقول أن يحس. ولما كانت النفس جوهرًا بسيطًا، في رأي ابن سينا، والبسيط لا يفسد، لأن الفساد هو انحلال العناصر، فهي لا تنحل بانحلال الجسد. إن علاقتها به، وقد هبطت من واهب الصور في العالم العلوي، هي علاقة عارضة.
حق أن الجسد يحتضن النفس، ولكن.. إلى حين، فمتى ما استكملت صورتها، أحست بغربتها في هذا العالم الجسماني، وأدركت أنها غارقة مغرورة في دنيا المحسوسات وعندئذ تهون عليها مغادرة الجسد فتفارقه غير آسفة:
حتى إذا قرب المسير إلى الحمى
سجعت وقد كشف الغطاء فأبصرت ... ما ليس يدرك بالعيون الهجّع
وغدت مفارقة لكل مخلَّف ... عنها، حليفِ الترب غير مشبع
وبدت تغرد فوق ذروة شاهق ... والعلم يرفع كل من لم يرفع
فلأي شيء أُهبطت من شامخ ... سام إلى قعر الحضيض الأوضع
إنْ كان أرسلَها الإلهُ لحكمة ... طُويت عن الفَطِن الأريب الأروع
فهبوطُها، إن كان ضربةَ لازب ... لتكون سامعة بما لم تسمع
وتعودَ عالمة بكل خفية ... في العالمين، فخرقها لم يرقع
وهي التي قطع الزمان طريقها ... حتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألق في الحمى ... ثم انطوى، فكأنه لم يلمع
فلاسفة العرب يعالجون كل قضايا العالم
.. في إحدى المحاضرات التي ألقاها البروفيسور (ستكوفسكي) حول تاريخ الفلسفة في معهد العلوم الاجتماعية بموسكو عام 1970 يقول:
"حين كانت تسود فلسفة أوروبا القرون الوسطى نظرية واحدة هي نظرية خلق العالم من العدم، كان فلاسفة العرب يعالجون كل قضايا العالم وكل شؤون الطبيعة. ولم يبدأ الكلام في أوروبا على قضايا الطبيعة ومعرفة ما هي الطبيعة، إلا بعد أن تعرفوا مؤلفات ابن سينا. فمنذ ذاك أخذوا يطرحون الأسئلة عن الحي والجامد."