على أن لفظ القانون لا يطلق على الأشياء الطبيعية إلا مجازًا، ونحن عادة لا نقصد بالقانون إلا أمرًا من الأوامر، يستطيع الناس تنفيذه أو إهماله، على أن يكون مفهومًا أنه يحصر قدرة الإنسان في حدود معينة، تستطيع هذه القدرة مع ذلك أن تتعداها، ولكنه لا يأمر بشيءٍ يفوق قواها. علينا إذن- أن نعرف القانون تعريفًا أخص بأنه قاعدة للحياة يفرضها الإنسان على نفسه، أو على الآخرين من أجل غاية. على أنه لما كانت غاية القوانين الحقيقية لا تتضح إلا لعدد قليل، ولما كان معظم الناس تقريبًا لا يقدرون على إدراكها، مع أن حياتهم تسير بدورها وفقًا للعقل، فقد وضع المشرعون بحكمة، غاية مختلفة تمامًا عن الغاية التي تنشأ عن طبيعة القوانين، فهم يبشرون المدافعين عن القانون بما يفضله العامة على كل ما عداه، وينذرون من يمزقونه بما يرهبه العامة أكثر من غيره. وعلى هذا النحو، حاولوا السيطرة على العامة بقدر الإمكان، كما يسيطر الإنسان على الحصان باللجام. ومن هنا ينشأ ذلك التصور الشائع للقانون على أنه قاعدة للحياة، فرضها بعض الناس على البعض الآخر، حتى إننا لنقول في لغتنا الشائعة عمن يطيعون القوانين إنهم يعيشون تحت سلطان القانون، ويبدون عبيدًا له، وإنه لمن الصحيح حقًا، أن من يعطي كل ذي حق حقه، خوفًا من المشنقة، يفعل ذلك بأمر الآخرين، ويضطر إليه خوفًا مما قد يلحق به من ضرر، فلا يمكن أن نعتبره عادلًا. أما من يعطي كل ذي حق حقه، لأنه يعلم السبب الحقيقي لوضع القوانين وضرورتها، فإنه يفعل باتفاق تام مع نفسه وبمحض مشيئته، لا بمشيئة الآخرين، ولذلك كان من حقه أن نسميه عادلًا.