وقد عدَّ د.محمود حسني محمود أبا علي الفارسي (ت 366هـ) بغداديًا، فعقد له فصلًا كاملًا (32) ، وكذا فعل د.ضيف أيضًا، إذ عدَّ الفارسي وابن جني (392هـ) في البغداديين، فقال:"ولا يكفي أن ينسب ابن جني وأبو علي الفارسي في البصريين، لنعدّهما حقًا منهم، فإنهما اتّبعا في مصنفاتهما المذهب البغدادي الانتخابي، وإن كانت قد غلبت عليهما النزعة البصرية، وهي لا تخرجهما عن دوائر الاتجاه البغدادي القائم على الانتخاب من آراء البصريين والكوفيين" (33) .
كذا قيل عن مذهب أبي علي وابن جني. وإن نظرة في كتبهما تكشف عن بصرية واضحة القسمات، بينة الملامح لديهما، وهذه براهين تجعل النفس تطمئن لبصريتهما.
ففي قول الشاعر:
أنْ تقْرآنِ على أسْماءَ وَيْحكُمَا
ذكر ابن جني ما نصه:"وسألت أبا علي عن قول الشاعر... البيت. فقلت له: لمَ رفع (تقرآن) ؟ فقال: أراد (أنّ) الثقيلة، أي: أنكما تقرآنِ، هذا مذهب أصحابنا. وقرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى في تفسير (أن تقرآنِ) قال: شبّه (أن) بـ (ما) ، فلم يُعملها في صلتِها، وهذا مذهب البغداديين. وفي هذا بُعدٌ، وذلك أنَّ (أنْ) لا تقع إذا وُصلت حالًا أبدًا، إنما هي للمضي أو الاستقبال، نحو: سرني أن قام زيد، ويسرني أن يقوم غدًا، ولا تقول: يسرني أن يقوم، وهو في حال قيامٍ، و (ما) إذًا وُصلت بالفعل فكانت مصدرًا فهي للحال أبدًا، نحو قولك: ما تقوم حَسنٌ، أي: قيامك الذي أنت عليه حسَنٌ، فيبعدُ تشبيه واحدة منهما بالأخرى، وكل واحدة منهما لا تقع موقع صاحبتها. ... أخاكَ مُصابُ القلب جَمٌّ بلابلُه (39) "
قال أبو علي: وأولى (أن) المخففة من الثقيلة الفعل بلا عوضٍ ضرورةً، وهذا على كل حال وإن كان فيه بعض الصنعة أسهل مما ارتكبه الكوفيون" (35) ."