فأما الحاء فبعيدة من الثاء، وبينهما تفاوت يمنع من قلب إحداهما إلى أختها. قال: وإنما (حَثْحَثَ) أصل رباعي، و (حثَّثَ) أصل ثلاثي، وليس واحدًا منهما من لفظ صاحبه، إلا أن (حثحث) من مضاعف الأربعة، و (حثّث) من مضاعف الثلاثة، فلما تضارعا بالتضعيف الذي فيهما اشتبه على بعض الناس أمرهما، وهذا هو حقيقة مذهبنا، ألا ترى أن أبا العباس قال في قول عنترة (42) :
جادَتْ عليه كلّ بكر ثرّةٍ
ليس (ثرّة) عند النحويين من لفظ: ثرثارة، وإن كانت من معناها، هذا هو الصواب، وهو قول كافة أصحابنا، على أن أبا بكر محمد بن السري قد كان تابع الكوفيين، وقال بقولهم" (43) . ... زجَّ القَلُوصِ أبي مزادَهْ (57) "
فابن جني يرد مذهب البغداديين، ويعلل فساده، ويبين حقيقة مذهب البصريين من خلال كلام أبي العباس المبرد، ثم يشير إلى أن هذا هو قول البصريين، ما خلا أبا بكر محمد بن السري بن السراج الذي تابع الكوفيين، وقال بقولهم.
وبيّن من النص الذي ساقه ابن جني أنه سمى الكوفيين بالبغداديين في الموضع الأول منه، ثم سماهم بالكوفيين في الموضع الثاني، ويبدو أيضًا أن أبا علي يصرح ببصريته بقوله:"وهذا حقيقة مذهبنا". وبقوله:"وهذا هو الصواب، وهو قول كافة أصحابنا".
وكذا سمّى ابن جني أيضًا الكوفيين بالبغداديين، فقد ذكر في الخصائص قول البغداديين: إن الاسم يرتفع بما يعود عليه من ذكره، نحو: زيدٌ مررتُ به، وأخوك أكرمته، وذكر أن ارتفاعه عندهم إنما هو لأن عائدًا عاد عليه، فارتفع بذلك العائد، ثم ذكر أن إسقاط هذا الدليل أن يقال لهم: فنحن نقول: زيدٌ هل ضربته، وأخوكَ متى كلّمته، ومعلوم أن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله" (44) ."
وفي موضع آخر من الخصائص قال:"ألا ترى أنك لو سألت رجلًا عن علة رفع (زيد) من نحو قولنا: زيد قام أخوه، فقال لك: ارتفع بالابتداء، لقلت: هذا قول البصريين. ولو قال: ارتفع بما يعود عليه من ذكره لقلت: هذا قول الكوفيين" (45) .