فهرس الكتاب

الصفحة 13587 من 23694

وإن نظرة في كتب الزمخشري تكشف أن الرجل لم يكن بغداديًا، بل كان في جل آرائه بصريًا، ويدل على هذا ما قاله في (المفصّل) :"ومن إضمار الفاعل قولك: ضربني وضربت زيدًا، تضمر في الأول اسم مَنْ (ضربك) و (ضربته) إضمارًا على شريطة التفسير، لأنك لما حاولت في هذا الكلام أن تجعل (زيدًا) فاعلًا ومفعولًا فوجّهت الفعلين إليه استغنيت بذكره مرة، ولما لم يكن بد من إعمال أحدهما فيه أعملت الذي أوليته إياه..."

وكذلك إذا قلت: ضربتُ وضربني زيدٌ، رفعته لايلائك إياه الرافع، وحذفت مفعول الأول استغناء عنه وعلى هذا تعمل الأقرب أبدًا، فتقول: ضربتُ وضربني قومك.

قال سيبويه: ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت: ضربت وضربوني قومك، وهو الوجه المختار الذي ورد به التنزيل، قال تعالى: ]آتوني أفْرِغ علَيهِ قِطْرًا [ (53) ، و] هاؤُمُ اقْرَؤوا كِتابِيَهْ[ (54) ، وإليه ذهب أصحابنا البصريون" (55) ."

يلاحظ من النص السابق أن الزمخشري يصرح بأنه بصري فيقول:"وإليه ذهب أصحابنا البصريون".

وفي موضع آخر من (المفصل) يكشف عن صلته القوية بالبصريين، فيقول:"وقضية الإضافة المعنوية أن يجرد لها المضاف من التعريف، وما تقبله الكوفيون من قولهم: الثلاثة الأثواب، والخمسة الدراهمِ، فبمعزل عند أصحابنا عن القياس واستعمال الفصحاء" (56) .

وفي موضع ثالث من (المفصل) يقف الزمخشري منافحًا مدافعًا عن كتاب سيبويه فيقول:"وما يقع في بعض نسخ الكتاب من قوله:"

فَزَجَجْتُها بمزجَّةٍ

فسيبويه بريء من عهدته" (58) . ... إذ النَّاسُ إذ ذاكَ مَنْ عزَّ بَزّا (61) "

وما أظنني بعد غاليًا إذا ما قلت: إن ما سقته من أقوال يقطع بأن الزمخشري لم يكن بغداديًا، بل كان بصريًا، يدافع عن مذهب أصحابه وعن كتب سيبويه كما رأينا.

وما سلف لا يعني أن الرجل لم تكن له آراء خاصة، أو أنه لم يكن يختار أحيانًا رأي الكوفيين في بعض المسائل (59) ، لكن هذا لا يعني أن الزمخشري صار في عداد البغداديين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت